( عن جريدة المدار ) ..... : الريادة لدمشق وأنقرة .. والذهول لتل أبيب ... كتب : المحرر السياسي للمدار : ... كلّنا يتذكر وقفة ذلك الرجل الأناضولي الغاضب في منتدى ( دافوس ) الماضي؟!.. كان رجب طيب أردوغان يقدِّم في تعنيفه المجرم الكذاب بيريز وقتذاك أمثولتين صارختين، واحدة في الشجاعة السياسية والأخلاقية فرح لها العرب، والأخرى في تغيير السائد من المعادلات جنّ لها جنون الصهاينة في كل مكان.
أيامذاك كتبت الصحافة الإسرائيلية الكثير عن الوقفة وعن الرجل، ومعظم ما قاله جهابذة الفكرة الصهيونية المتعجرفة يصب في خانة التقليل من شأن الغضبة الأردوغانية على أنها فورة عاطفية عابرة يتسم بها عادة العرب والمسلمون، حتى إن أولمرت وليفني وباراك تحدثوا مباشرة إلى الجمهور الإسرائيلي الخائف من أي تغيير في معادلات الحلفاء والأعداء لطمأنته إلى أن العلاقات الإسرائيلية- التركية لن تتأثر، وأن زيارة هنا وتطييب خواطر هناك وتعود الأمور إلى مجاريها.
لكن الطمأنة لم تحقق أهدافها، والأمور لم تعد إلى مجاريها، ولم ينسَ أردوغان أسباب غضبه في ( دافوس ) ولا رغبة شعبه، كما يكرر في أحاديثه الصحفية دائماً، في أن تنصف تركيا الجديدة القضية الفلسطينية والعربية وتحدث التغيير اللازم للقضاء على مظاهر الظلم واللاتوازن في المنطقة كلها، وتوالت أشكال التعبير عن السياسة التركية الجديدة، فكان التحالف الاستراتيجي مع سورية ذات الثقل العربي الممانع والواعد بعودة التوازن إلى المنطقة، وكانت الضربة المذهلة لتل أبيب عبر إلغاء اشتراك الطيران الإسرائيلي المدان تركياً بجرائم الحرب في غزة في مناورات ( نسر الأناضول ) الجوية ثم إلغاء المناورات كلها.
( المدار ) ترصد التغيير التركي ـ السوري الذي يشغل اليوم بال المحللين والاستراتيجيين وأوساط الرأي العام العربي والإسلامي والتركي على السواء.. وتقدم هذه التغطية الخاصة... تصريحات مثيرة لأردوغان حول إسرائيل والشيعة وغولدستون
لا يتوقف رئيس الوزراء التركي أردوغان عن تأكيد المخاوف الإسرائيلية، إذ أكد في تصريحات جديدة أن قرار إلغاء المناورات الجوية التي كانت مقررة مع إسرائيل في 12 تشرين الأول / أكتوبر جاء في الأساس استجابةً لرغبة الشعب التركي.
وفي مقابلة في قناة ( العربية ) الفضائية في 14 تشرين الأول / أكتوبر، أضاف أردوغان قائلاً : ( شعبي يرفض مشاركة إسرائيل في مناورات ''نسر الأناضول'' ولا بدّ أن أستجيب لرغبة شعبي، هناك حساسيات في المنطقة ولا بدّ من أخذها بالاعتبا ر).
وبالنسبة لتقرير غولدستون، شدد أردوغان على أن مندوب تركيا في الأمم المتحدة يتحرك لعرض الأمر على مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً : ( لا بدّ من طرح تقرير غولدستون للنقاش، قلت للجمعيات اليهودية في نيويورك ما فعلته إسرائيل في غزة ليس بإنساني، أحداث غزة نسفت ما حققناه من تقدّم في المفاوضات بين سورية وإسرائيل ).
وتابع قائلاً : ( مجلس الأمن فقد صلاحياته التنفيذية خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ما بوسعنا أن نغض الطرف عن جرائم إسرائيل في غزة، إسرائيل استخدمت أسلحة محرمة دولياً، أنا شاهدت بنفسي أطفالاً من غزة قُطعت أيديهم وأرجلهم وأطفالاً مشوهين ).
وكشف في هذا الصدد أن إسرائيل باتت لا تنظر إلى تركيا بشكل إيجابي بعد المواقف التي عبَّر عنها خلال منتدى ( دافوس ) وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي ردّه على سؤال حول ما يتردد عن خطر تشكله إيران في المنطقة، أجاب أردوغان قائلاً: ( العلاقات التركية ـ الإيرانية عريقة جداً وتاريخية تعود إلى معاهدة ''قصر شيرين'' التي تم توقيعها بين البلدين عام 1926 ).
وأضاف أن رؤية البلدين بعضهما البعض ليس فيها أية مشكلة، وأكد أن علاقات الجوار بين البلدين جيدة بل واستراتيجية أيضاً، قائلاً : ( نشتري الغاز الطبيعي من إيران، لدينا حدود مع إيران تبلغ 370 كم، منذ وصولنا إلى الحكم لم نحاول إقامة علاقات عداوة مع جيراننا، نركز فقط على بناء الثقة والصداقة، لدينا علاقات تاريخية مع إيران وطورناها ).
وبالنسبة إلى أزمة البرنامج النووي الإيراني، شدد أردوغان على أن تركيا لا تريد أسلحة نووية في المنطقة أو في العالم، كما أن إيران أكدت له أنها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية وإنما فقط لتطوير مصادرها من الطاقة، هذا بجانب أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تستطع أن تثبت أن إيران تقوم بتصنيع أسلحة نووية.
وتابع : ( ما يحزنني في هذا الصدد هو أن الجميع يتحدث عن إيران ويترك إسرائيل، هذا غير عادل، إذا كانت القوى الكبرى لا تتعامل بالعدل لا يحق لها أن تطلب من الآخرين الانصياع لها ).
الأسد وأردوغان
وحول ما يتردد عن سعي تركيا ودول عربية سنّية لتشكيل تكتل سنّي لمواجهة النفوذ الشيعي الإيراني، نفى أردوغان هذا الأمر بشدة لعدة أسباب منها أن تركيا دولة ديمقراطية وعلمانية، ولا تفرِّق بين مواطنيها كافة، هذا بالإضافة إلى أنها لا تفرِّق في علاقاتها بين سنّة وشيعة، وهذا ما يريده البعض من وجهة نظره لبثّ الفرقة بين المسلمين.
واستطرد قائلاً: ( 99 في المئة من سكان تركيا مسلمون، ومليار ونصف من سكان العالم مسلمون، القواسم المشتركة بين المسلمين كثيرة ومتنوعة، هناك علاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية وتجارية، هذا ما يجب أن نركز عليه، نحن في تركيا نسعى إلى كسب أصدقاء وليس أعداء، تركيا أصبحت محطة السلام في المنطقة، في تاريخنا لم نشهد هذا الشيء، نحن في الشرق الأوسط كالجسد الواحد ومشاكلنا مشتركة، لن ينعم العالم بالسلام دون تحقيق السلام في الشرق الأوسط ).
وأكد في هذا الصدد أن شعوب المنطقة تساند تركيا في رؤيتها تلك، وأعرب عن أمله في إلغاء تأشيرات الدخول مع إيران والدول العربية كافة وليس مع سورية فقط.
وفي ردّه على سؤال حول سر نجاح سياسة ( حزب العدالة والتنمية ) الحاكم في تركيا، قال أردوغان : ( نحن متداخلون مع شعبنا، الشعب هو الذي أسس الحزب، الأنانية غير موجودة في داخله، سياستنا هي نحن وليس أنا، حاربنا الفساد والمافيا والعصابات، نجحنا في تحسين علاقاتنا مع الخارج، عندما تولّينا الحكم، كانت علاقاتنا مع سورية والعراق واليونان سيئة، أما الآن فعلاقاتنا مع الجميع جيدة، هذه الأمور جعلتنا مترابطين مع شعبنا ).
واختتم بالترحيب بالزيارات المتبادلة الأخيرة بين العاهل السعودي والرئيس السوري، وقال : ( هذه الزيارات والتطورات الأخيرة في لبنان تبشر بالخير )، داعياً إلى ضرورة تكثيف الزيارات المتبادلة بين الدول العربية والإسلامية.
هذه التصريحات والتي تأتي بعد يوم من اتفاق تركيا وسورية على فتح الحدود المشتركة وإلغاء تأشيرات الدخول بينهما، من شأنها أن تضاعف من شعبية أردوغان أكثر وأكثر في العالمين العربي والإسلامي، خاصة وأنه أثبت بالدليل القاطع أنه رجل لا يزايد على مواقفه والتي كانت واضحة للعيان في منتدى ( دافوس ) والجمعية العامة، وأخيراً إلغاء مناورات ( نسـر الأناضول ) مع إسرائيل.
ويبدو أن أردوغان مصمم بالفعل على المضي في مواقفه مهما كان الثمن، حيث كشف وزير الدفاع السوري، علي حبيب، أن بلاده التي أجرت أول مناورات عسكرية برية مشتركة مع تركيا في نيسان / إبريل الماضي، اتفقت وأنقرة خلال انعقاد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بين سورية وتركيا بمشاركة أكثر من عشرين وزيراً من البلدين في حلب في 13 تشرين الأول / أكتوبر على إجراء مناورات جديدة أكثر شمولاً وأكبر حجماً.
هذا الإعلان يدحض بقوة المزاعم حول وجود خلاف بين المؤسستين السياسية والعسكرية في تركيا تجاه تطور العلاقة الاستراتيجية مع سورية على حساب إسرائيل، ويؤكد في الوقت ذاته أن أردوغان غير عابئ بردود أفعال قادة إسرائيل، فقراره مستقل وينبع من إرادة شعبه.
حلف استراتيجي وإلغاء تأشيرات الدخول
وفي العمق يبدو أن الناحية العملية للتغيير تشهد تطبيقات جدّية على الأرض، إذ تتحرك العاصمتان السورية والتركية بنشاط لترتيب ملفات إقليمية ودولية مرتبطة مباشرة بمصالح العاصمتين سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، وبعد إلغاء تركيا مشاركة سلاح الجوي الإسرائيلي في مناورات ( أناطوليان إيغل ) الجوية في تركيا، شهدت مدينة حلب السورية المحاذية لتركية اجتماعاً وزارياً رفيعاً هو الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي السوري التركي الذي أُعلن عن تأسيسه خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى اسطنبول الشهر الماضي، وعلى جدول أعماله ملفات سياسية ودبلوماسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وإلغاء رسمي للتأشيرات والسمات بين تركيا وسورية، ويشارك فيه من كلا البلدين وزراء الدفاع والخارجية والداخلية والاقتصاد والنفط والتعليم العالي والنقل والإسكان والتعمير والكهرباء والصحة والزراعة والري.
وخلال اجتماع مجلس للتعاون الاستراتيجي وقع وزيرا الخارجية السوري والتركي وليد المعلم وأحمد داود أوغلو اتفاقاً تاريخياً ينص على إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين. وكان حديث الإنجاز أكثر من ملفت إذ أكد وزير الخارجية السوري في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي قبل توقيع الاتفاق، أنه ( حدث تاريخي ونموذج نقدمه لكل الأشقاء في المنطقة ).
وأعرب المعلم عن أمله في أن ( نحذو حذوه في علاقات استراتيجية تشمل مختلف المجالات ).
وقبل توقيع الاتفاق أُقيم مهرجان فني تخللته رقصات فولكلورية، وتم عرض فيلم وثائقي عن العلاقة بين البلدين والتعاون بينهما وثقافتهما.
وتوجه المعلم وداود أوغلو إلى الطاولة لتوقيع الاتفاق متشابكي الأيدي، قبل أن تطلق بالونات باللونين الأحمر والأبيض.
ورداً على سؤال عن حزب ( العمال الكردستاني ) الذي يخوض تمرداً ضد الدولة التركية منذ 1984، قال المعلم: (في سورية نعتبر حزب العمال منظمة إرهابية محظور عملها في سورية).
من جهته، أكد وزير الخارجية التركي أن توقيع الاتفاق ( عيد للشعبين )، مشدداً على أهمية الاجتماعات السورية التركية اليوم التي قال إنها ( تحمل أهمية كبيرة من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية ).
وأوضح أن ( هذه العلاقات بوابة نحو الشرق الأوسط وليست بديلاً من العلاقة مع أي دولة أخرى بل ستساعد في تطوير العلاقات العربية التركية ).
من جهته قال العماد حسن توركماني، معاون نائب الرئيس السوري، الذي زار أنقرة كوزير للدفاع ورافق الأسد خلال زيارته الأخيرة لاسطنبول في افتتاح اجتماع المجلس السوري التركي إن هذا الاجتماع يأتي لتجسيد مضمون مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين الذي جاء نتيجة طبيعية للعلاقات المتطورة بين البلدين والتي تتنامى بسرعة كبيرة، بل وتطلع توركماني إلى أبعد من ذلك وإلى إيجاد آفاق جديدة للتعاون في جميع المجالات.
وأضاف توركماني أن المجلس يتوج علاقات البلدين ويفتح مرحلة جديدة، وأن سورية وتركيا تعولان عليه كثيراً بالجهود المشتركة للجانبين للارتقاء بهذه العلاقات والتشاور إلى مستوى أعلى لتكون نموذجاً يحتذى للعلاقات بين الدول في المنطقة والعالم.
إلى ذلك كشفت مصادر تركية في دمشق أن تل أبيب تنظر بكثير من الذهول إلى التطورات الدراماتيكية المتسارعة في علاقات دمشق وأنقرة. وذهبت تلك المصادر إلى الجزم بأن الدوائر الإسرائيلية لم تستطع إلى الآن تفسير هذا التطور ( الغريب ) في علاقات السوريين بأحفاد السلطان عبد الحميد وكيف وصلت تلك العلاقات إلى ما وصلت إليه، مضيفة أن جميع المعطيات التي كانت تتقاطع عندها التقارير الإسرائيلية الصادرة عن مؤسسات عسكرية وسياسية خلال عام مضى والمتعلقة بالعلاقة السورية التركية لم تشر إطلاقاً إلى احتمال تطور هذه العلاقة بهذا الشكل ( التلاحمي ) سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وأن خشية أخرى تضاف إلى ما سبق تتصل بتطور مساير لتلك العلاقة سيحدث على الأغلب بصبغة شعبية اجتماعية خلال المرحلة المقبلة، ما يعني تثبيت التحالف السوري التركي على أرضية ديمغرافية، وهو ما يصعّب أية محاولة لاختراق هذا التحالف لاسيما وأنه سيستند إلى قاعدة شعبية وتحديداً في تركيا.
وتابعت تلك المصادر: من الطبيعي بالنسبة لتل أبيب قراءة ما يجري الآن استناداً إلى إلغاء أنقرة مناوراتها التي كانت مزمعة مع سلاح الجو الإسرائيلي من جهة، والاجتماع السياسي والأمني الجاري في حلب السورية من جهة أخرى، دون إغفال الأبعاد الاقتصادية لهذا الاجتماع، لتصل المصادر إلى أن ما حصل خلال الأيام الأخيرة مختلف كلياً في خلفياته عما سبق، ويستدعي قراءة إسرائيلية جديدة كلياً لعلاقتها مع أنقرة.
وكان الجيشان السوري والتركي أجريا مناورات عسكرية مشتركة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلدين في نيسان/ أبريل الماضي، وانشغلت حينها الدوائر العسكرية والاستخبارية والسياسية الإسرائيلية في قراءة الخلفيات التي تقف وراء تلك المناورات، وما تمثله من تطور استثنائي لتقارب البلدين سورية وتركيا إلى حد أكد وقتها المحللون أنه بات لزاماً على إسرائيل وضع ما يجري في خانة التحالف سواء رغبت بذلك تل أبيب أم لم ترغب.
هل نشهد التغيير في وضع المنطقة؟!
وعوداً على بدء.. أصبح واضحاً الآن أن الأمر لا يتعلق بأردوغان وحده إنما بسياسة تركية مختلفة جادة وشجاعة لتغيير معادلات المنطقة، وأن ردود الأفعال في الدوائر الأمريكية والغربية والإسرائيلية بدأت تأخذ منذ الآن على محمل الجد هذه الانعطافة غير المتوقعة أو غير المحسوبة جيداً كما ينبغي في قراءة هذه الدوائر.. ولا شك في أن عقول المستشارين ومراكز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن وعواصم الغرب وتل أبيب تحديداً ستتجه، شاءت أم أبت، إلى إعادة حساباتها وترتيب أوراق سياستها في الأيام القادمة آخذة بعين الاعتبار هذا المعطى الجديد.
إذاً فالقوة الإقليمية الشجاعة في الموقف من الصراع في المنطقة قد عبرت حاجز المخاوف الانتهازية التقليدية، ومعادلة الدور التركي- العربي الممانع والمتوازن.. قد ولدت أخيراً.
| < Prev | Next > |
|---|



VIEWS189