E-mail Print PDF VIEWS1037

هل تصبح الصين أمريكا الجديدة؟ أم هل تصبح أمريكا الصين الجديدة؟ ( ترجمة عادل بدر سليمان ) :

في ثلاثينيات القرن الماضي جعل الكساد الكبير الولايات المتحدة زعيمةً العالم مالياً. الأزمة الاقتصادية الحالية قد تُمكّن الصين من شغل هذا المنصب. في فترة الكساد الكبير, كما في الأزمة الاقتصادية الحالية, كان التردي الاقتصادي قاسياً جداً بسبب افتقار النظام الدولي إلى القيادة:
 فبريطانيا؛ القوة الاقتصادية المهيمنة في القرن التاسع عشر, قد استنفدتْ مالياً بسبب الحرب العالمية الأولى, وبرزت الولايات المتحدة، بحكم كونها المقرض الرئيسي الجديد، لاعباً اقتصادياً قوياً, لكنها لم تكن تمتلك بعد القيادة الملتزمة بصيانة نظام اقتصادي عالمي مفتوح. وكان التشخيص المبسط للحالة يظهر أن بريطانيا أصبحت غير قادرة على القيادة, وأن الولايات المتحدة كانت غير راغبة فيها. هل يبدو هذا السيناريو مألوفاً اليوم? حتماً يبدو كذلك. فقصة الكساد الكبير تتردد اليوم بصدى غريب في النقاشات الحالية الدائرة بشأن القيادة الاقتصادية الدولية, وذلك في ظل قيام الولايات المتحدة بلعب الدور القديم لبريطانيا- وفي ظل قيام الصين بأخذ دور الولايات المتحدة بوصفها الدائن الأكبر في العالم.
لكن إذا كانت الصين هي أمريكا هذا القرن, فهل بإمكانها أن تقوم بعمل أفضل من ذلك العمل الذي قامته به أمريكا في الثلاثينيات? إن الأسلوب الذي تتبعه هذه القوة العالمية العظمى الصاعدة سوف يحدد إلى حدٍّ بعيد الماهية التي سيخرج بها العالم من الأزمة الحالية، والشكل الذي سيتخذه النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وكان الخبير الاقتصادي (تشارلز غيندلبيرغر) قد جادل بأنه كان يتوجب على الولايات المتحدة أن تتصرف في بداية الثلاثينيات كقائد للملاذ المالي الأخير في العالم، وأن تستمر في الإبقاء على أسواقها المالية مفتوحة للاستثمار وأسواقها التجارية مفتوحة للبضائع الأجنبية، وذلك عوضاً عن التوجه السريع صوب الحمائية. كما كان عليها أن تحفز الاقتصاد العالمي من خلال سياسة مالية دورية مضادة.
لكن في زمن الكساد الكبير, كان لدى أمريكا كل الحجج المقنعة التي تفسر عدم رغبتها في تحمل عبء إنقاذ العالم. فقد كانت ترى أن إرسال المزيد من النقود إلى أوربا يبدو مثل (إلقاء النقود في المجاري). وهي إلى ذلك رأت أن الأوربيين، في نهاية الأمر، هم الطرف الذي خاض الحرب العالمية التي شكلت الأسباب الحقيقية للفوضى المالية. كانت مساعدة أوربا اقتصادياً سوف ُتحدث الشيء الكثير على الأمد البعيد, لكنها كانت على الأمد القصير غير مجدية سياسياً؛ إذ كان حضورها في ذلك الوقت أشبه ما يكون بحضور الحصان إلى السباق من دون أن يشترك فيه.
في خضم الأزمة المالية الحالية، تواجه الصين، صاحبة الجيوب المنتفخة، المعضلة ذاتها: أفتبتلع غيظها وتساعد في إنقاذ الدول نفسها التي أوصلتنا جميعاً إلى هذا الوضع, أم أنها ستضع مصالحها القصيرة الأجل أولاً? واليوم، ثمة نداءات متزايدة تطالب الصين بمشاركة أوسع في صفقات الإنقاذ المنسقة دولياً من خلال صندوق نقد عالمي جديد. كما أن الصين هي واحدة من الاقتصادات القليلة التي ما تزال تنمو في العام الحالي رغم أن معظم الاقتصاديين قد خفضوا سقف توقعاتهم لمعدلات ذلك النمو. وأخيراً, فإن الولايات المتحدة والصين هما البلدان الوحيدان اللذان هما من الحجم والثروة المالية ما يمكنهما من إطلاق المساعي الكبرى للتحفيز المالي.
ربما تكون هناك اليوم أسباب عديدة تدفع الصينيين إلى عدم الانخراط في الاقتصاد العالمي, ويبدو المنطق السياسي الداعم لذلك مشابهاً جداً للمنطق الأمريكي عام 1931. هناك الكثير من المنطقية في بعض الحجج الاقتصادية التي تتردد في أجواء بكين, فهناك, أولاً, مقدار كبير من الشكوك, والأموال السيادية التي ضاع منها الكثير في الماضي، وقد يضيع المزيد منها في الحاضر والمستقبل. وقد ظهر الآن أن الاستثمار الصيني في السندات الأمريكية في عام 2006، كان غلطة كبرى باهظة التكلفة, ولا شك أن (مؤسسة الاستثمار الصينية) كانت ستخسر المزيد لو أنها تقدمت لإنقاذ مصرف (ليمان براذرز), لكن ثمة حججاً أخرى أقل منطقية وأكثر عاطفية, وهي تتساءل عما إذا لم يكن ما حدث عام 2008 رداً استحقته الولايات المتحدة على سوء تصرفها إبان الأزمة المالية الآسيوية للسندات عام 1997و1998؟
ثمة أيضاً أسباب داخلية عديدة تجعل الصين حذرة من الانفتاح على الاقتصاد العالمي. فالنظام المصرفي الصيني ما يزال غير شفاف، وربما ما يزال يتوجب عليه مصارعة تركة من المشاكل الناجمة عن الديون السيئة التي أعطاها للمؤسسات الحكومية الكبيرة. وعلى الرغم من أن الصين تستثمر مبالغ هائلة في التعليم، إلا أنه يصعب بناء المجتمع المبدع والمتجدد القادر على استنساخ الحيوية الأمريكية التي عرفها النصف الثاني للقرن العشرين، (والتي تغذت بشكل خاص عبر خاصّية الانفتاح وتحديداً الانفتاح على المهاجرين). كما ستواجه الصين مشكلة الهرم والانحدار الديموغرافي بعد عام 2040 نتيجة انتهاج سياسة (طفل واحد) التي تسببت بحدوث فائض من الشبان الذكور.
ولذلك يمكن القول إن الصين لديها الكثير من الأسباب التي يمكن أن تدفعها للانغلاق على نفسها، والتحصن ضد قوى العولمة, كما فعلت الولايات المتحدة في سنوات ما بين الحربين. ولا شك أن بنية النظام العالمي وطبيعته ستعززان هذا التوجه لدى الصين. مرة أخرى يبدو التشبيه بفترة ما بين الحربين وارداً؛ فالولايات المتحدة لم تكن آنذاك تشعر بالارتياح للمؤسسات الدولية التي كانت قائمة في فترة ما بين الحربين. وكان من أسباب ذلك انحياز تلك المؤسسات لصالح القوة المهيمنة السابقة وهي بريطانيا. كما أن (عصبة الأمم) كانت أداة للنفوذ البريطاني. وبصورة مشابهة تخشى الصين اليوم من عدم كفاية تمثيلها في المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. من الواضح أن نفوذها في صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لا يتناسب مع وضعها الحقيقي في الاقتصاد العالمي, ولا مع الدور الذي تستطيع أن تلعبه في تحقيق الاستقرار الاقتصادي, وبناءً على ذلك فإن إصلاح المؤسسات الدولية مهم لمستقبل التحولات الجيوسياسية.
إن رئيس المصرف المركزي الصيني باقتراحه الأخير إيجاد عملة أخرى تحل محل الدولار في الاحتياط العالمي، قد بدأ السير على خطا الجنرال شارل ديغول رئيس فرنسا في ستينيات القرن الماضي. لكن, بخلاف فرنسا، فإن الصين تملك مكانة أقوى في فرض أوّلياتها المفضلة في مجال إعادة تنظيم النقد العالمي.
بمعنى آخر, يمكن للعالم أن ُيدعى إلى التحول من النموذج الرأسمالي الأمريكي إلى النموذج الرأسمالي الصيني. وكما في الثلاثينيات فإن هذا التحول لن يكون سهلاً على أي دولة من دول العالم. إدارة أوباما في خطتها لإنقاذ القطاع المالي تقتبس إشارة البدء عن النموذج الصيني؛ ففي سعيها للحفاظ على استقرار الاقتصاد القومي، تتحرك تلك الإدارة نحو تبني نوع من المذاهب التدخلية للدولة في النشاط الاقتصادي الذي ظلت الصين تروّج له طوال العقدين الماضيين. ولذلك بوسعنا القول إن واشنطن تتبنى (إجماع بكين)، كبديل عن (إجماع واشنطن). والصين كذلك تعلمت دروساً كثيرة من خلال مراقبتها للوضع الاقتصادي في أمريكا. وبينما تواصل أمريكا الاستفادة من السوق العالمية، فإنها تفرض مزيداً من الرقابة والسيطرة على قطاعها المالي، وتحدد عمليات البحث والتطوير في قطاع الطاقة، وتكبح بشكل انتقائي استيراد السلع والخدمات. فهل يبدو هذا الأمر مألوفاً في أمريكا؟ كما في الصين، فإن ما يهم في أمريكا ليس طبيعة النظام السياسي، بل إلى إي مدى يعد هذا النظام ناجحاً في تحسين مستوى معيشة الشعب.
إن فريق أوباما الاقتصادي ليس الفريق الوحيد في إدارة أوباما الذي يتوجه صوب الشرق؛ ففريق السياسة الخارجية ينحو ذات المنحى. في مدرسة الصين الدبلوماسية، تسيطر المصالح الوطنية وليس الأعراف، والمعايير الدولية على السياسة الخارجية. وبالفعل يتعاظم يوماً بعد يوم سعي واشنطن لتشكيل تحالف براغماتي يعمل على خدمة الحاجات الاقتصادية للبلاد. وتوجيه الانتقاد إلى الصين والدول الخليجية (الأوتوقراطية) يصبح أقل حدة، لا بل إنه يتحول إلى (فيض من الكياسة) حين تكون تلك البلدان المقرض الرئيس لخزينة الولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء، يحمل العمل مع كل من روسيا وإيران الوعد بخفض تكاليف الحرب في أفغانستان والعراق. لِمّ لا، ففي أوقات الأزمات، يبدو أنه ليس هناك خزيٌ أو عار من بعض السياسة الواقعية البعيدة عن العقائد والأيديولوجيا!
إن واقعية واشنطن الجديدة هي أكثر من مجرد مراجعة لسياسة عرض واستخدام العضلات التي انتهجها المحافظون الجدد في إدارة بوش. وبسبب تراجع مكانة الولايات المتحدة عالمياً، تحاول حالياً، بوصفها قوة آخذة في التراجع، استخدام قدراتها الكامنة بطريقة أكثر اقتصادية. فبعد عقدين من هيمنة المبادئ الأمريكية والأوربية على السياسة الدولية، عبر شبكة من المؤسسات الأممية، لم يعد الغرب يملك بعد الآن القوة والنفوذ لإملاء شروطه على الآخرين. إن تقهقر الغرب سيفسح في المجال أمام قوى أخرى لتشغل المسرح الدولي؛ فتحالف كل من البرازيل وروسيا والهند والصين سيعزز نمو الاقتصاد العالمي. وعوضاً عن توكيل الولايات المتحدة بمهمة الحفاظ على الاستقرار العالمي، ستستمر مجموعة ما يسمى بدول (البريك) بلعب دور أكثر بروزاً في مراقبة الفناء الخلفي الخاص بها. فروسيا ستتمكن من استرجاع (قوقازها).
في غضون ذلك، سيضعف التحالف عبر الأطلنطي، وبخلاف أوربا التي تفتقر إلى القدرة والقيادة، ستتمكن واشنطن من التكيّف مع القواعد الجديدة. إن الروابط الاستراتيجية الخاصة التي تجمع بين القارة الأوربية والولايات المتحدة لا ينتظرها سوى المزيد من الضعف. مع ذلك، يمكن القول إن كل ما سبق ليس من شأنه التأكيد أن (إجماع بكين) سيضمن نظاماً عالمياً أكثر استقراراً. وبصرف النظر عن هذا الأمر، فإن أداء القوى الدولية سيكون قوياً بقدر قوة لاعبها الأضعف؛ فإذا ما ازداد الاضطراب الاقتصادي تردياً، فإن التأميم في هذا البلد أو ذاك، يمكن أن ُيقلل هامش المناورة البراغماتية. إن تداخل فضاءات النفوذ، والصراعات المُجمدة، يمكن أن يؤدي مرة ثانية إلى اندلاع صراعات رئيسية جديدة. وإذا ما قيض للصين أن تخرج من الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية رابحاً كبيراً، كما يتوقع بعض المراقبين، فإن الوقت لن يطول حتى تصل الصين إلى نتيجة مؤداها أن لا بديل عن نموذج تعاون مفاده أن (الجميع رابح), نموذجٌ يبدو أنه سيكون هو النظام العالمي الجديد.
هارولد جيمس : أستاذ التاريخ في جامعة برنستون الأمريكية ـ جوناثان هولسلاك : باحث في معهد بروكسل للدراسات الصينية المعاصرة.
عن مجلة (FOREIGN AFFAIRS ) ترجمة: عادل بدر سليمان.

Comments
Add New
Write comment
Name:
Email:
 
Title:
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow: