اتخذت الحكومة مجموعة من القرارات الخاصة بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في محافظة الحسكة،بعد دراسة مضمون المذكرة التي تقدمت بها اللجنة الوزارية التي زارت المحافظة واطلعت على الواقع المتردي الذي تعيشه.
وتناولت القرارات القضايا التالية:
1 ـ منح مساعدة غذائية عاجلة كل شهرين، للأسر المحتاجة في المحافظة، تتضمن الطحين والزيت والعدس والبرغل والسكر والشاي، على أن تستمر هذه المساعدة ما دامت الظروف التي أوجبت منحها قائمة.
2 ـ إحداث صندوق للتخفيف من آثار الكوارث الطبيعية التي تواجه الإنتاج الزراعي، ويمول هذا الصندوق من مصادر مختلفة. وإعفاء المشاريع الاستثمارية المشمولة بقوانين الاستثمار التي تقام بمحافظات المنطقة الشرقية من الضرائب والرسوم مدة عشر سنوات.
3 ـ جدولة ديون الفلاحين في محافظة الحسكة العائدة للمصرف الزراعي التعاوني لغاية الموسم الزراعي 2008 - 2009، على أن تسدد خلال سبع سنوات لقروض الزراعات المروية، وعشر سنوات لقروض الزراعات البعلية.
4 ـ توفير رأسمال بحدود مليونَيْ ليرة سورية لكل قرية متضررة، بهدف تنفيذ مشروع تمكين المرأة الريفية،وإجراء مسح ريفي سريع للأسر المهاجرة من محافظة الحسكة إلى المحافظات الأخرى للوقوف على مكان التوطن الحالي وأوضاعها المعيشية، وتأمين مستلزمات عودتها إلى محافظة الحسكة.
5 ـ تمويل المزارعين واضعي اليد على أراضي أملاك الدولة، وإعفاء الفلاحين الذين يستثمرون أملاك الدولة البعلية في محافظة الحسكة من الأجور للموسم الحالي،واستمرار تقديم المقنن العلفي للمربين في المحافظة.
وقرارات أخرى تتناول الوضع المائي والتعليمي والصحي للمحافظة.
إن تنوع القرارات، وشموليتها، وصفتها العاجلة، مؤشرات تدلل على مقدار الضرر الذي تعرضت له محافظة الحسكة، لا بسبب سوء المواسم والجفاف فحسب، بل بسبب استثنائها من كل البرامج التطويرية التي تُنظم لها الملتقيات.. والمؤتمرات..! فأوجاع سكان المحافظة لم تدرج ضمن أجندة من يخططون -حتى في أحلامهم ـ لحلول انتقائية تجعل مسيرة الإصلاح الاقتصادي في البلاد تتجه يميناً.. يميناً نحو إصلاح نخبوي، تستفيد منه النخب القادرة على الاستيراد والتصدير.. والاستثمار.. واستخدام الآخرين، وتكديس الأرباح..والبذخ..والتهرب من الضرائب.
نقول : شكراً لرئيس الحكومة وأعضائها، وبخاصة للجنة الوزارية التي تقدمت باقتراحاتها لإسعاف المحافظة التي شارفت على التلاشي.
لكن حيرة شديدة انتابتنا بعد صدور القرارات..! ونسأل:
1 ـ لماذا تريثنا بمعالجة أوضاع محافظة الحسكة رغم ناقوس الخطر الذي قرعته الهيئات الحكومية والشعبية فيها، والتحذيرات التي أطلقتها الصحافة الرسمية والحزبية ـ والتي كان لصحيفة (النور) مساهمة حثيثة فيها - مما أدى إلى تفاقم الأوضاع وازدياد المعاناة.
2 ـ أين موضع محافظة الحسكة في خطط بعض مسؤولي الاقتصاد الذين يروجون ليل نهار لملتقيات الاستثمار..؟ وهل لهذه المحافظة المنسية نصيب من كعكة الاستثمار العام والخاص؟ أم أن الاستثمار حسب رؤية هؤلاء يقتصر على المشاريع العقارية والسياحية..؟ وهل تابع (مهندس) الخطة الخمسية تنفيذ ما ورد في الخطة بخصوص محافظة الحسكة، وبقية محافظات القطر التي تعتمد على الزراعة.أم أن قطاع الأعمال..والمصارف.. ومشاريع B.O.T تنال جلّ اهتمامه..؟
3 ـ مَن يشجع ويحفز المستثمرين على تنفيذ 3100 منشأة سياحية بلغت تكاليفها الاستثمارية لغاية عام 2008، نحو 4 مليارات و300 مليون دولار؟ ومَن يخطط لترتفع تكاليف هذه المشاريع إلى ستة مليارات دولار في عام 2010؟ ألم يجد طريقة لتشجيع هؤلاء المستثمرين على إقامة مشاريع زراعية وصناعية في المنطقة الشرقية، وبخاصة في محافظة الحسكة، تساهم في زيادة الدخل الوطني، وترتقي بالوضع المعيشي والاجتماعي للسكان..؟
4 ـ هل تنسجم هذه القرارات النوعية والشاملة لدعم الزراعة والمزارعين والمناطق الزراعية، مع قرارات أخرى اتُخذت لزيادة أعباء هؤلاء المزارعين، كالقرار القاضي بتحرير أسعار السماد؟
5 ـ اتخذت الحكومة قراراتها المتنوعة والشاملة لمعالجة أوضاع محافظة من محافظات القطر بسكانها واقتصادها، وأوضاعها الاجتماعية،ونتوقع أن يكون لهذه القرارات ـ إذا ما نفذت ـ أثر هام في تجاوز الواقع الراهن لهذه المحافظة،ونسأل: متى تتخذ الحكومة قرارات مماثلة لمعالجة أوضاع القطاع العام الصناعي الذي ينزف جموداً.. وخسارة.. وتخلفاً..؟ ألم تحن ساعة الوقوف أمام هذا الاستحقاق..؟
هل تريدون لمؤسسات القطاع العام ومصانعه وشركاته أن تنتج وتكوّن الأرباح، وهي مازالت تئن تحت وطأة تخلف وسائلها الإنتاجية بسبب حرمانها سنوات وسنوات من استخدام مخصصات التجديد،وتوقيف الاستثمارات الحكومية الجديدة في هياكلها الإنتاجية..؟
6 ـ وعدت الحكومة بمعالجة أوضاع الشركات الخاسرة عن طريق الاستفادة من مواقعها وأصولها ضمن قطاع الصناعة، لكننا فوجئنا بتوصيات اللجنة الوزارية المكلفة بدراسة أصول هذه الشركات واقتراح صيغ استثمارها، إذ أوصت بتعديل الصفة العمرانية لمواقعها، تمهيداً لتحويلها إلى مشاريع سياحية متنوعة، بادئة بموقعَيْ معملي أسمنت دمر والكبريت في دمشق، وموقعَيْ معملي الألمنيوم والمحركات في اللاذقية..!
ولا نعلم هنا ، هل تتوقف طموحات من يريدون تحويل اقتصادنا الوطني، إلى اقتصاد ريعي عند حد، أم أن كل مدرسة.. ومستوصف.. وحديقة في بلادنا تعدّ موقعاً محتملاً لمشاريعهم السياحية والعقارية..؟
نقول مع سكان محافظة الحسكة لحكومتنا: شكراً.. ونقول لها، ومعنا جميع من يعز عليهم استمرار نهج الإصلاح باتجاه تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة: أنقذوا القطاع العام الصناعي من وضعه الحالي المرير، فهو أداة الحكومة، وذراعها الأقوى للتأثير في الحياة الاقتصادية، وهو ملاذ الفئات الشعبية لمواجهة السوق الحرة وأسيادها.
"جريدة النور"



VIEWS586