الضجة الإعلامية التي هزّت البلاد في الأيام الأخيرة ما كانت لتستحق حتى التعليق، لولا أنها كشفت سلامة مجتمعنا العربي، وصحة حِسّه وصلابة تماسكه وتضامنه في المنعطفات الخطرة. فهنيئًا له. أما الدافع الى تلك الخضة فلم يكن، في حدّ ذاته، سوى زوبعة في فنجان لا تستأهل حتى التوقف والردّ عليها، لولا الخلفيات والملابسات التي تكتنفها، والتداعيات المحتملة، بل المرجّحة، لها.
برنامجٌ فكاهي في قناةٍ إسرائيلية، يثرثر صاحبه بلا توقف، وحوله حفنة من البلهاء يقهقهون ويصفقون كأنهم مخمورون. وفجأة يعلن نجم البرنامج أنه ينوي، على مدى أكثر من حلقة، أن يمحو المسيحية، بدءًا بكشف الزَّيف والأساطير عن مؤسسها يسوع وأمه مريم. وبأسلوبٍ تهكّميٍّ ساخر، وبإسفافٍ غير مسبوق، راح يُدحرج بذيء الصور والألفاظ، وهل ينضح الإناء بغير ما فيه؟
لهذا المتذاكي نقول ببساطة واختصار: نحن نربأ بأنفسنا عن الرد على البذاءات لئلا نتّسخ بها، على حدّ قول الشاعر: ليس البذاءة من شأني، فإن عرضَت... أعرضتُ عنها بوجهٍ بالحياء ندي
(هذا لمن عنده بعد "شُرْشُ" حياء). ولمن ظنّ أن تلك القذارات تنال من شخص السيد المسيح وأمّه السيدة العذراء، أو أنها تسيء إليهما، فنطمئنه أن كليهما بألف خير، وأنهما أرفع بكثير من أن تصل إليهما تلك السخافات السسافلة، وشعاع الشمس يبقى أطهر من جميع أوساخ العالم، وهو يطهّرها.
ومن المضحك أن هذا العبقري اللامع يتعنتر، ببلاهة ما بعدها بلاهة، لمحو الناصري وأمه وأتباعه، بمزحةٍ أقلُّ ما يقال فيها أنه تخلو من الظرف والكياسة واللياقة والأدب، التي يجب أن يتحلى بها العاملون في الصحافة والإعلام. وموقفه هذا يذكرنا بقول الشاعر: إن الزرازير لما قام قائمها... توهّمَت بأنها صارت شواهينا.
ونسي أن جميع الذين حاولوا محو اسم يسوع ومريم قد غيبهم التاريخ مقرونة أسماؤهم باللعنة، من أيام هيرودس وبيلاطس ونيرون وديوكلسيانوس ويوليانوس، وعدِّدْ ما تشاء، لأنهم كانوا: كناطحٍ صخرةً يوما ليوهنها... فلم يضِرْها، وأوهى قرنَه الوعِلُ.
وهل ترانا بحاجة الى التذكير بشاول-بولس،الذي يحتفل العالم كله هذه السنة بالذكرى الألفين لميلاده، هذا المتشدد المتزمت، المفاخر ببنوته لإبراهيم، وبقوميته كعبراني، وبهويته من بني إسرائيل، وبيهوديته دينا، وفريسيته مذهبا، وبنيامينيته انتماء، وحفظه للشريعة، يفوق في الغيرة عليها، وعلى سنن السلف، الكثيرين من أبناء قومه، حتى لَيضطهدُ كنيسة الله ويسعى لتدميرها ومحو اسم مؤسِّسها، فيستبيح، باسم تلك الغيرة والشريعة والسنن، قتل أتباع يسوع (1 كو 11: 22؛ في 3: 5-6؛ أع 9: 1-2؛ 22: 4-5؛ 26: 4-11)، هذا الشاب، تلميذ جملائيل الشهير، وخرّيج أرقى المعاهد الدينية لعصره في أورشليم (أع 22: 3)، هذا الإنسان يلتقي يسوع فجأة على طريق دمشق، فيصرعه يسوع ويقلب حياته (أع 9: 3-18؛ 22:6-16؛26:13-18)، ومن مضطهِد ليسوع يصبح له رسولا في العالم كله. كنا نود من بطل البرناج المذكور أعلاه، الساعي الى محو اسم يسوع من التاريخ، لو يعطينا رأيه في شاول بولس، الذي سبقه في هذه المحاولة.
وللقناة التي بثّت البرنامج نقول: أولاً إن هذا المستوى من البرامج لا يشرّفها. وثانيا إنها تتحمل في بثّه مسؤولية كبيرة وخطيرة. إنها قناة مرخَّصة رسميا، وعليها التقيد بقوانين الترخيص المرعية، الضامنة لحرية المعتقد، والتي تمنع المساس بكرامةِ وأديانِ ومقدَّساتِ جميع المواطنين. فعندما يفتتح المذيع برنامجه بالقول‘ وإنْ بمزحةٍ فجّةٍ سمِجة، إنه يريد في برنامجه، وبوضوح، وعن سابق قصد وتصميم، محو المسيحية بدءًا بمؤسِّسها وأمّه، أفليس هذا تحديأ صارخا للقانون، يترتب عليه نتائجُ غايةٌ في الخطورة؟ وهل وعى المذيع والقناة عمق الشرخ الذي أحدثوه في نفوس وضمائر جميع المواطنين العرب، لا المسيحيين منهم فقط، بل إخوتهم المسلمين والدروز أيضًا، الذين يقدسون السيد المسيح كلمة الله وروحه، وأمه السيدة العذراء الطاهرة، المصطفاة على نساء العالمين؟ ومن خلف المواطنين هنا، ملايين المسيحيين والمسلمين في العالم، الذين يشكّلون نصف الكرة الأرضية، فهل أدرك المذيع والقناة فداحة الفعل الشنيع؟ وأمام زلزال النفوس أمس، يطلعون اليوم علينا باعتذار هو أشبه باستغباء القرّاء، أو الاستتخفاف بعقولهم، فهو كلام مبهم غامض، لا يدل على اي أسف او تغيير موقف.
وفيما نشكر جميع الذين استنكروا وشجبوا وأدانوا ما جرى، ولاسيما الإخوة المسلمين والدروز وكثيرين من عقلاء اليهود، والهيئات والمؤسسات، نلفت نظر كل مسؤول في الدولة وفي المجتمع، أن يأخذوا الأمر بجدية لخطورة مدلولاته، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتطاولين على حقوق وكرامات ومقدسات المواطنين. صحيح أنّا نطلّ على الصوم الأربعيني الكبير الإثنين القادم، وصحيح أن إنجيل الأحد بعد غد، الذي يفصّل لنا الاستعدادات الروحية للصوم، يبدأ بالدعوة الى الغفران والتسامح شرطا لصوم مقبول، ولكن المغفرة والتسامح لا يعنيان، بأي وجه، السكوت عن الحق وطلب العدالة.
| < Prev | Next > |
|---|



VIEWS517
لتصوير حفلاتكم و اضافتها الى موقع قرية زيدل او بثها مباشرة الى احبائكم يمكنكم الاتصال