موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > المنتدى الأدبي > خواطر وعذب الكلام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 11th March 2004, 09:16 PM
الصورة الرمزية shadi
shadi shadi غير متواجد حالياً
مشرف منتدى لجنة أصدقاء زيدل ( زيدلنا )
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
الدولة: Zaidal
المشاركات: 507
الجنس: ذكر
shadi
القشور واللباب

ما شربت كأساً علقميّة إلا كانت ثمالتها عسلاً.
وما صعدت عقبة حرجة إلاّ بلغت سهلاً أخضر.
وما أضعت صديقاً في ضباب السماء إلا وجدته في جلاء الفجر. وكم مرّة سترت ألمي وحرقتي برداء التجلّد متوهّماً أن في ذلك الأجر والصلاح، ولكنّني لما خلعت الرداء رأيت الألم قد تحوّل إلى بهجة والحرقة قد انقلبت برداً وسلاماً.
وكم سرت ورفيقي في عالم الظهور فقلت في نفسي ما أحمقه وما أبلده ، غير أنّني لم أبلغ عالم السّر حتى وجدتني الجائر الظالم وألفيته الحكيم الظريف.
وكم سكرت بخمرة الذات فحسبتني وجليسي حملاً وذئباً ، حتى إذا ما صحوت من نشوتي رأيتني بشراً ورأيته بشراً.
أنا وأنتم أيّها النّاس مأخوذون بما بان من حالنا ، متعامون عمّا خفي من حقيقتنا . فإن عثر أحدنا قلنا هو الساقط، وإن تماهل قلنا هو الخائر التلف، وإن تلعثم قلنا هو اللأخرس ، وإن تأوّه قلنا تلك حشرجة النزع فهو مائت .
انا وأنتم مشغوفون بقشور(أنا) وسطحيات(أنتم) لذلك لا نبصر ما أسرّه الروح إلى (أنا) وما أخفاه الروح في ( أنتم).
__________________
قل لي وسوف أنسى ، أرني فقد أتذكر , شاركني عندها سأفهم.
Tell me and I will forget , show me and I may remember , involve me and I will understand
رد مع اقتباس

Sponsored Links
  #17  
قديم 12th March 2004, 11:40 AM
الصورة الرمزية suher issa
suher issa suher issa غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
الدولة: zaidal_ spain
المشاركات: 597
الجنس: انثى
suher issa
حكم و أقوال

إذا سقطت أوراق الورود بسكون , وأظلمت الكواكب في جو السماء , وتكسرت الأمواج على الصخور الجرداء الشاهقة وانطفأ شعاع الشفق وتوارى في السحاب فذلك هو الموت : موت ولكنه يسحرنا بحسنه ويعللنا بنشوة الراحة والرخاء المزجاة . موت ولكنه عطية من الطبيعة أم الخيرات .
(حكم و اراء)
********

إن الذين لم يهبهم الحبّ أجنحة لا يستطيعون أن يطيروا إلى ما وراء الغيوم
(الاجنحة المتكسرة)
**************

كذا تبيد الشعوب بين اللصوص والمحتالين مثلما تفنى القطعان بين أنياب الذئاب وقواطع الجزارين، وهكذا تستسلم الأمم الشرقية إلى ذوي النفوس المعوجة والأخلاق الفاسدة فتتراجع إلى الوراء ثم تهبط إلى الحضيض فيمرّ الدهر ويسحقها بأقدامه مثلما تسحق مطارق الحديد أنية الفخار
(الاجنحة المتكسرة)

************
إنما الناس عبيد الحياة وهي العبودية التي تجعل أيامكم مكتنفه بالذل والهوان ولياليهم مغمورة بالدماء والدموع
(العواصف)
__________________
الحياة سفينة وأنتم فيها الربان فمهما افترقنا نلتقي في نفس المكان
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 19th March 2004, 03:49 PM
الصورة الرمزية suher issa
suher issa suher issa غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
الدولة: zaidal_ spain
المشاركات: 597
الجنس: انثى
suher issa
في ظلام الليل

في ظلام الليل ينادي بعضُنا بعضًا.
في ظلام الليل نصرخ ونستغيث,
وخيالُ الموت منتصب في وسطنا,
وأجنحتُه السوداء تُخَيِّم علينا,
ويدُه الهائلة تجرف إلى الهاوية أرواحنا.
أَمَّا عيناه الملتهبتان فمُحَدِّقتان إلى الشفق البعيد.
في ظلام الليل يسير الموت
ونحن نسير خلفه خائفين منتحبين...
وليس بيننا من يستطيع الوقوف.
وليس فينا من له أمل بالوقوف.
في ظلام الليل يسير الموت ونحن نتبعه.
وكلَّما التَفَتَ إلى الوراء يسقط منا ألف
إلى جانِبَي الطريق.
ومن يسقط يرقد ولا يستيقظ.
ومن لا يسقط يسر قسر إِرادته عالِمًا بأنه سيسقط
ويرقد مع الذين رقدوا.
أما الموت فيظل سائرًا محدِّقًا إلى الشفق البعيد.
في ظلام الليل ينادي الأخ أخاه,
والأب أبناءه,
والأم أطفالها...
وكلنا جائعون, لاغبون, مُتَضَوِّرون.
أما الموت فلا يجوع ولا يعطش.
فهو يلتهم أرواحنا وأجسادنا,
ويشرب دماءَنَا ودموعنا...
ولكنه لا يشبع ولا يرتوي.
في الهزيع الأول من الليل ينادي الطفل أمه
قائلاً: يا أُمَّاه أنا جائع.
فتجيبه الأم قائلة:
اِصْبِرْ قليلاً يا ولداه.
وفي الهزيع الثاني ينادي الطفل أُمَّه ثانية
قائلاً: يا أمَّاه أنا جائع فأعطني خبزًا.
فتجيبه: ليس لدي خبز يا ولداه.
وفي الهزيع الثالث يمر الموت بالأم وطفلها
ويضمُّهُمَا بِجَناحيه...
فيرقدان على جانب الطريق.
أما الموت فيظل سائرًا محدِّقًا إلى الشفق البعيد.
في الصباح يذهب الرجل إلى الحقول طالبًا القوت فلا يجد غير التراب والحجارة.
وعند الظهيرة يعود إلى زوجتِه وصغارِه خائِرَ
القوي فارغ اليدين.
وعندما يجيء المساء يمرُّ الموت بالرجل وزوجته
وصغارِه فيجدهم راقدين فيضحك...
ثم يسير محدِّقًا إلى الشفق البعيد.
في الصباح يترك الفلاح كوخهُ,
ويذهب إلى المدينة,
وفي جيبه حِلَى أمّه وأختيه ليبتاع بها الدقيق...
وعند العصر يعود إلى قريته بلا قوت ولا حلى,
فيجد أمه وابنتيها راقدات...
أما عيونُهُنَّ فلم تزل شاخصة إلى
اللاَّشيء... فيرفع ذراعيه نحو السماء,
ثم يهبط إلى الحضيض كطائر رماه الصياد.
وفي المساء يمرُّ الموت بقرب الفلاح وأمه وأختيه
فيجدهم راقدين فيبتسم, ثم يسير محدقًا إلى الشفق البعيد.
في ظلام الليل,
وليس لظلام اللَّيلِ نهاية,
نناديكم أيها السائرون في نور النهار...
فهل أنتم سامعون صراخنا?
قد بعثنا إليكم أرواحَ أمواتِنَا
فهل وَعَيْتُمِ ما قاله الرُّسل?
وحمَّلنا الهواءَ الشرقيَّ من أنفاسنا حِمْلاً
فهل بلغ الهواء شواطئكم البعيدة
وألقى بين أيديكم أحماله الثقيلة?
هل عرفتم ما بنا فقمتم تسعون لإنقاذنا,
أم وجدتم نفوسكم في سلامة وطمأنينة فقلتم:
ماذا عسى يستطيع الجالسون في النور
أن يفعلوا لأبناء الظلام?
فلنَدَعِ الموتى يدفنون أمواتهم,
ولتكن مشيئة الله.
أي, لتكن مشيئة الله! ولكن:
هَلاَّ تستطيعون أن ترفعوا نفوسكم إلى ما فوقَ نفوسِكم
لِيُصَيِّركم الله مشيئة له وعونا لنا?
في ظلام الليل ينادي بعضُنَا بعضًا.
في ظلام الليل ينادي الأخ أخاه,
والأم ابنها,
والزوج زوجته,
والمحب حبيبته...
وعندما تتمازج أصواتنا
وتتعالى إلى كبد الفضاء...
يقف الموت هنيهة ضاحِكًا منَّا, مستهزئًا بنا,
ثم يسير محدقًا إلى الشفق البعيد
**********
جبران خليل جبران
__________________
الحياة سفينة وأنتم فيها الربان فمهما افترقنا نلتقي في نفس المكان
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 20th March 2004, 12:34 AM
الصورة الرمزية shadi
shadi shadi غير متواجد حالياً
مشرف منتدى لجنة أصدقاء زيدل ( زيدلنا )
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
الدولة: Zaidal
المشاركات: 507
الجنس: ذكر
shadi
Exclamation رحماك يا نفس رحماك

حتى مَ تنوحين يانفسي وأنت عالمة بضعفي ؟ إلى متى تضجين وليس لديّ سوى كلام بشري أصوّر به أحلامك؟
انظري يا نفسي فقد أنفقت عمري مصغياً لتعاليمك . تأملي يا معذّبتي فقد أتلفت جسمي متبعاً خطواتك.
كان قلبي مليكي فصار الآن عبدك، وكان صبري مؤنسي فغدا بك عذولي.كان الشباب نديمي فأصبح اليوم لا ئمي، وهذا كلّ ما أوتيته من الآلهة ، فممّ تستزيدين وبم تطعمين؟
قد أنكرت ذاتي وتركت ملاذ حياتي وغادرت مجد عمري ولم يبق لي سواك، فاقضي علي بالعدل ، فالعدل مجدك، أو استدعي الموت واعتقي الأسر معناك.
رحماك يا نفس! فقد حملتني من الحب عبدك، وكان صبري مؤنسي فغدا بك عذولي. كان الشباب نديمي فأصبح اليوم لائمي ، وهذا كلّ ما أوتيه من الآلهة ، فممّ تستزيدين وبم تطمعين؟
قد أنكرت ذاتي وتركت ملاذ حياتي وغادرت مجد عمري ولم يبقى لي سواك، فاقضي عليّ بالعدل ، فالعدل مجدك، أو استدعي الموت واعتقي من الأسر معناك.
رحماك يانفس! فقد حملتني من الحبّ ما لا أطيقه : أنت والحب قوّة متحدة ، وأنا والمادة ضعف متفرّق ،وهل يطول عراك بين قوي وضعيف ؟
رحماك يا نفس فقد أريتني السعادة عن بعد شاسع: أنت والسعادة على جبل عالٍ ، وأنا والشقاء في أعماق الوادي ، وهل يتم لقاء بين علو ووطو ءة؟
رحماك يا نفس؟ فقد أبنت لي الجمال وأخفيته : أنت والجمال في النور، وأنا والجهل في الظلمة ، وهل يمتزج النور بالظلمة؟
أنت يا نفس تفرحين بالآخرة قبل مجيء اللآخرة ، وهذا الجسد يشقى بالحياة وهو في الحياة.
أنت تسيرين نحو الأبديّة مسرعة، وهذا الجسد يخطو نحو الفناء ببطء، فلا أنت غنية بحكمتك ، وهذا الجسد فقير بسليقته ، فلا أنت تتساهلين ولا هو يتبع ، وهذا أقصى الشقاء.
أنت تذهبين في سكينة الليل نحو الحبيب وتتمتعين منه بضمة وعناق، وهذا الجسد يبقى أبداً قتيل الشوق والتفريق . رحماك يا نفس رحماك!
__________________
قل لي وسوف أنسى ، أرني فقد أتذكر , شاركني عندها سأفهم.
Tell me and I will forget , show me and I may remember , involve me and I will understand
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 29th March 2004, 07:13 PM
الصورة الرمزية shadi
shadi shadi غير متواجد حالياً
مشرف منتدى لجنة أصدقاء زيدل ( زيدلنا )
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
الدولة: Zaidal
المشاركات: 507
الجنس: ذكر
shadi
سمعان القيرواني

كيف حملت صليبه

كنت أسير في طريقي إلى الحقول عندما رأيته حاملاً صليبه والجماهير تتبعه.
فمشيت أنا أيضاً في جانبه.
وقد أوقفه حمله غير مرة ، لأن قوته كانت قد نفذت.
فتقدّم إليّ أحد جنود الروّمان وقال: تقدّم ، فأنت قوي العضلات متين البناء ، فاحمل صليب هذا الرجل .
وعندما سمعت هذه الكلمات رقص قلبي طرباً وفرحت بهذه الفرصة ، فحملت صليبه شاكراً. وكان الصليب ثقيلاً ، لأنهم صنعوه من شجر الحور المشرب بأمطار الشتاء.
فنظر يسوع إليّ ، وكان عرق جبينه ينسكب جارياً على لحيته.
ثم نظر إليّ ثانية وقال: وأنت أيضاً تشرب هذه الكأس ؟ إنك بالحقيقة ستمتص حافتها معي إلى منتهى الدهور.
وإذ قال هذا وضع يده على كتفي الحرّة ، وهكذا مشينا معاً إلى تله الجمجمة.
ولكنني بعد أن وضع يده على كتفي لم أشعر بثقل الصليب قط، بل كنت أشعر بيده فقط، وكانت لجناح الطير على كتفي.
ثم بلغنا إلى رأس التلّة ، حيث أعدّوا كلّ شيء ليصلبوه.
حينئذ شعرت بثقل الصليب.
بيد أنّه لم تيفوّه بكلمة عندما غرزوا المسامير في يديه ورجليه ، ولم تخرج من فمه صرخة واحدة . وأعضاؤه لم ترتجف تحت طرقات المطرقة .
وقد خيّل إليّ أن يديه ورجليه كانت قد ماتت وهي ترجع آنئذ إلى الحياة مستحمة بالدماء . وأما هو فكان ينشد المسامير كما ينشد الأمير صولجانه ، وكان شائقاً الارتفاع إلى الأعالي.
ولم يخطر لقلبي أن يشفق عليه لأن الذهول كان يملأ كياني ، وها أن الرجل الذي حملت صليبه صار لي صليباً .
فإذا قالوا لي ثانية : احمل صليب هذا الرجل، فإني لأحملنّه بملء الرضى حتى تؤدي بي طريقي إلى قبري.
ولكنني ألمتس منه آنئذ أن يضع يده على كتفي.
قد حدث هذا منذ أعوام عديدة ، ولكنني كلما تبعت الثلم في حقلي ، وكلما غالبني النعاس قبل النوم أفكرّ بغير انقطاع في ذلك الرجل الحبيب ، وأشعر بيده المجنحة ، هنا على كتفي اليسرى .

يسوع ابن الإنسان
__________________
قل لي وسوف أنسى ، أرني فقد أتذكر , شاركني عندها سأفهم.
Tell me and I will forget , show me and I may remember , involve me and I will understand
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 9th April 2004, 03:07 PM
الصورة الرمزية suher issa
suher issa suher issa غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
الدولة: zaidal_ spain
المشاركات: 597
الجنس: انثى
suher issa
لم يكن يسوع وديعاً

يقولون إن كان رجلاً باراً عادلاً ، ولكنه كان ضعيفاً ، وإنه كثيراً ما كان يتحير ويذهل أمام الأقوياء والأشداء وإنه عندما كان يقف أمام ذوي السلطان لم يكن سوى حمل أمام سباع

أما أنا فأقول : إن يسوع كان له سلطان فوق جميع الناس ، إنه عرف قوته وأعلنها بين تلال الجليل ، وفي مدن اليهودية وفينيقية . فأي رجل ضعيف مستسلم يقول : أنا الحياة ، وأنا الطريق ، وأي رجل وديع وحقير يجرؤ أن يقول : أنا في الله أبينا وإلهنا الآب في ؟

وأي رجل لا يعرف قوته يقول : إن من لا يؤمن بهذه الحياة ولا بالحياة الأبدية ؟

وأي رجل لا يثق بالغد ويقدر أن يصرح بمثل هذا الإعلان : إن عالمكم سيزول ويتحول إلى رماد تذريه الريح قبل أن تزول كلمة من كلماتي ؟ أم هل شك في قوته عندما قال للذين حملوا الزانية إليه ليجربوه : من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ؟ وهل خاف ذوي السلطان عندما طرد الصيارفة من ساحة الهيكل مع أنهم كانوا من الكهنة وهل كان مقصوص الجناحين عندما صرخ قائلا : إن مملكتي فوق ممالككم الأرضية ؟

أم هل كان يخبئ بالألفاظ عندما قال المرة بعد المرة : انقضوا هذا الهيكل وأنا أعيد بناءه بثلاثة أيام ؟ وهل يستطيع الجبان أن يهز يمينه في وجه ذوي السلطان فيدعوهم : كذبة أدنياء وقذرين منجسين ؟

إن رجلا كانت له الجرأة على القول مثل هذا لأسياد اليهودية لا يمكن أن يكون وديعاً إلا أن النسر لا يبني عشه في الصفصاف الباكي ، والسبع لا يفتش عن عرينه بين الأدغال

قد سئمت والتهبت أحشائي من قول ضعفاء القلوب إن يسوع كان وضيعاً وديعاً ليبرروا ضعتهم وصغارة قلوبهم، وخصوصاً عندما أسمع المدوسين بالأقدام ينشدون تعزيتهم بوضع المعلم في صفوفهم

نعم ، قد ضجر قلبي من أمثال هؤلاء ، فأنا أبشر بصياد قدير وروح جبلية لا تعرف الغلبة
--------------

جبران خليل جبران
__________________
الحياة سفينة وأنتم فيها الربان فمهما افترقنا نلتقي في نفس المكان
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 19th February 2005, 11:01 PM
الصورة الرمزية shadi
shadi shadi غير متواجد حالياً
مشرف منتدى لجنة أصدقاء زيدل ( زيدلنا )
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
الدولة: Zaidal
المشاركات: 507
الجنس: ذكر
shadi
العواصف(البنفسجة الطموح)

البنفسجة الطموح
كان في حديقة منفردة جميلة الثنايا ، طيبة العرف ، تعيش قانعة بين أترابها وتتمايل فرحة بين قامات الأعشاب .
ففي صباح , وقد تكلّلت بقطر الندى ، رفعت رأسها ونظرت حواليها فرأت وردة تتطاول نحو العلاء بقامة هيفاء ورأس يتسامى متشامخاً كأنه شعلة من النار فوق مسرجة من الزمرّد.
ففتحت البنفسجة ثغرها الأزرق وقالت متنهدة: ما أقلّ حظي بين الرياحين ، وما أوضع مقامي بين الأزهار ! فقد ابتدعتني الطبيعة صغيرة ، حقيرة ، أعيش ملتصقة بأديم الأرض ولا أستطيع أن أرفع قامتي نحو ازرقاق السماء أو أحوّل وجهي نحو الشمس مثلما تفعل الورود.
وسمعت الوردة ما قالته جارتها البنفسجة فاهتزّت ضاحكة ثمّ قالت : ما أغباك بين الأزهار ! فأنت في نعمة تجهلين قيمتها. فقد وهبتك الطبيعة من الطيب والظرف والجمال ما لم تهبه لكثير من الرياحين . فخلّي عنك هذه الميول العوجاء والأماني الشريرة وكوني قنوعاً بما قسم لك واعلمي أن من خفض جناحه رفع قدره ، وأنّ من طلب المزيد وقع في النقصان.
فأجابت البنفسجة قائلة : أنت تعزينني أيتها الوردة لأنك حاصلة على ما أتمناه ، وتغمرين حقارتي بالحكم ، لأنك عظيمة . وما أمرّ مواعظ السعداء في قلوب التاعسين وما أقسى القوي إذا وقف خطيباً بين الضعفاء!
وسمعت الطبيعة ما دار بين الوردة و البنفسجة فاهتزت مستغربة ثمّ رفعت صوتها قائلة: ماذا جرى لك يا ابنتي البنفسجة ؟ فقد عرفتك لطيفة بتواضعك عذبة بصغرك شريفة بمسكنتك ، فهل استهوتك المطامع القبيحة أم سلبت عقلك العظمة الفارغة ؟
فأجابت البنفسجة بصوت ملؤه التوسل والاستعطاف :
أيتها الأم العظيمة بجبروتها ، الهائلة بحنانها، أضرع إليك بكل ما في قلبي من التوّسل ،وما في روحي من الرجاء ، أن تجيبي طلبي وتجعليني وردة ولو يوماً واحداً.
فقالت الطبيعة : أنت لا تدرين ما تطلبين ولا تعلمين ما وراء العظمة الظاهرة في البلايا الخفية ، فإذا رفعت قامتك وبدلت صورتك وجعلتك وردة تندمين حيث لا ينفع الندم .
فقالت البنفسجة : حوّلي كياني البنفسجي إلى وردة مديدة القامة مرفوعة الرأس... ومهما يحل بي بعد ذلك يكون صنع رغائبي ومطامعي .
فقالت الطبيعة لقد أجبت طلبك أيتها البنفسجة الجاهلة المتمردة ، ولكن إذا دهمتك المصائب والمصاعب لتكن شكواك من نفسك.
ومدّت الطبيعة أصابعها الخفية السحرية ولمست عروق البنفسجة فحوّلتها بلحظة إلى وردة زاهية متعالية فوق الأزهار والرياحين.
ولما جاء عصر ذلك النهار تلبّد الفضاء بغيوم سوداء مبطنة بالإعصار ثمّ هاجت سواكن الوجود فأبرقت ورعدت وأخذت تحارب تلك الحدائق والبساتين بجيش عرمرم من الأمطار والأهوية . فكسرت الأغصان ولوت الأنصاب واقتلعت الأزهار المتشامخة ولم تبق إلاّ على الرياحين الصغيرة التي تلتصق بالأرض أو تختبئ بين الصخور.
أمّا تلك الحديقة المنفردة فقد قاست من هياج العناصر ما لم تقاسه حديقة أخرى .
فلم تمر العاصفة وتنقشع الغيوم حتى أصبحت أزهارها هباء منثوراً ولم يسلم منها بعد تلك المعمعة الهوجاء سوى طائفة البنفسج المختبئة بجدار الحديقة .
ورفعت إحدى صبايا البنفسج رأسها فرأت ما حلّ بأزهار الحديقة وأشجارها فابتسمت فرحاً ثمّ نادت رفيقاتها قائلة : ألا فانظرن ما فعلته العاصفة بالرياحين المتشامخة تيهاً وعجباً .
وقالت بنفسجة أخرى نحن نلتصق بالتراب ، ولكننّا نسلم من غضب العواصف والأنواء .
وقالت بنفسجة ثالثة : نحن حقيرات الأجسام غير أن الزوابع لا تستطيع التغّلب علينا.
ونظرت إذ ذاك مليكة طائفة البنفسج فرأت على مقربة منها الوردة التي كانت بالأمس بنفسجة وقد اقتلعتها العاصفة وبعثرت أوراقها الرياح وألقتها على الأعشاب المبللة فبانت كقتيل أرداه العدو بسهم.
فرفعت مليكة طائفة البنفسج قامتها ومدّت أوراقها ونادت رفيقاتها قائلة : تأمّلن وانظرن يا بناتي . انظرن إلى البنفسجة التي غرّتها المطامع فتحوّلت إلى وردة لتشامخ ساعة ثمّ هبطت إلى الحضيض. ليكن هذا المشهد أمثولة لكنّ.
عندئذ ارتعشت الوردة المحتضرة واستجمعت قواها الخائرة وبصوت متقطع قالت:
ألا فاسمعن أيتها الجاهلات القانعات ، الخائفات من العواصف والأعاصير . لقد كنت بالأمس مثلكن أجلس بين أوراقي الخضراء مكتفية بما قسم لي ، وقد كان الاكتفاء حاجزاً منيعاً يفصلني عن زوابع الحياة وأهويتها ويجعل كياني محدوداً بما فيه من السلامة ، متناهياً بما يساوره من الراحة والطمأنينة. ولقد كان بإمكاني أن أعيش نظيركن ملتصقة بالتراب حتى يغمرني الشتاء بثلوجه وأذهب كمن يذهب قبلي إلى سكينة الموت والعدم قبل أن أعرف من أسرار الوجود ومخبآته غير ما عرفته طائفة البنفسج منذ وجد البنفسج على سطح الأرض لقد كان بإمكاني الانصراف عن المطامع والزهد في الأمور التي تعلو بطبيعتها عن طبيعتي . ولكني أصغيت إلى سكينة الليل فسمعت العالم الأعلى يقول لهذا العالم : (( إنّما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود)) . فتمرّدت نفسي على نفسي وهام وجداني بمقام يعلو عن وجداني ، وما زلت أتمرّد على ذاتي وأتشوّق إلى ما ليس لي حتى انقلب تمرّدي إلى قوّة فعّالة واستحال شوقي إلى إرادة مبدعة فطلبت إلى الطبيعة – وما الطبيعة سوى مظاهر خارجية لأحلامنا الخفية– أن تحولني إلى وردة ففعلت ، وطالما غيرت الطبيعة صورها ورسومها بأصابع الميل والتشويق .
وسكتت الوردة هنيهة ثمّ زادت بلهجة مفعمة بالفخر والتفوّق:
لقد عشت ساعة كملكة . لقد نظرت إلى الكون من وراء عيون الورود، وسمعت همس الأثير بآذان الورود ، ولمست ثنايا النور بأوراق الورود . فهل بينكن من تستطيع أن تدّعي شرفي؟
ثمّ لوت عنقها، وبصوت يكاد يكون لهاثاُ قالت:
أنا أموت الآن . أموت وفي نفسي ما لم تكنه نفس بنفسجة من قبلي . أموت وأنا عالمة بما وراء المحيط المحدود الذي ولدت فيه ، وهذا هو القصد من الحياة . هذا هو الجوهر الكائن وراء عرضيات الأيام والليالي.
وأطبقت الوردة أوراقها وارتعشت قليلاً ثمّ ماتت وعلى وجهها ابتسامة علويّة – ابتسامة من حققت الحياة أمانيه – ابتسامة النصر والتغلّب – ابتسامة الله.
__________________
قل لي وسوف أنسى ، أرني فقد أتذكر , شاركني عندها سأفهم.
Tell me and I will forget , show me and I may remember , involve me and I will understand
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:05 PM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2020
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2020
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص