موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > منتدى الثقافة > العلوم و الثقافة العامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9th September 2009, 09:36 PM
الصورة الرمزية الملاك الثائر
الملاك الثائر الملاك الثائر غير متواجد حالياً
عضو مخضرم
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
المشاركات: 566
الجنس: انثى
الملاك الثائر is on a distinguished road
Thumbs up برديصان

برديصان شرائع البلدان قراءة جديدة



معظم الباحثين والمهتمين بالأدب السرياني يضعون برديصان في منزلة خاصة، يبدو معها نجماً مشرقاً وضاءً في سماء الأدب. بيدَ أنه ليس كذلك لدى الكثيرين من أبناء الشعب السرياني الذين اختزنت ذاكراتهم، واحتشدت بأسماء كتاب وأدباء لم يصلوا مطلقاً لمكانة ومستوى برديصان. والسبب الأساسي في ذلك يعود لأفكار برديصان نفسها التي تبدّت على شيء من الهرطقة والبدع كما شاع لدى الكثيرين ممّن تلقفوا نتف من كتابات هذا الأديب. والبعض يعزو قلة الكتب التي وصلت إلينا، لموقف آباء الكنيسة المعارض لأفكاره، ويذهب هذا البعض إلى اتهام رجال الكنيسة بإحراق كتب برديصان بزعم حماية الأجيال والمؤمنين من اتباع تعاليمه وانحرافهم عن جادة الإيمان. لا ندري مدى صحة هذا الزعم الذي ينفيه جملةً وتفصيلاً قداسة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. لكن هناك إشارة في أكثر من مصدر سرياني يشير إلى حدوث ذلك. أياً كانت الأسباب فإن ضياع نتاجات هذا الأديب حرم البشرية من فكر أحد أساطير ورموز الأدب والفلسفة والموسيقا ليس لدى السريان فقط وإنما في كل المعمورة.
ونظراً لانتشار هذا الفكر وتأثيره الكبير، لم يتلاشَ مبكراً، وإنما بقي حياً واستمر سنوات طويلة بعد موت برديصان. ولا تزال هناك جماعة صغيرة تقيم في بلاد ما بين النهرين تحمل جزءاً كبيراً من أفكاره، وتسمى هذه الجماعة بالمنداعيين أو المندائيين (هم الصابئة) وكلمة منداعي أساساً كلمة سريانية اشتقت من كلمة (مَدعا) أي المعرفة. وهناك الكثير من الكتب والمراجع تؤكد أن أفكار برديصان الغنوصية استمرت لنهاية العصر العباسي.
برديصان ـ ترجمة حياته:
تحدث العلامة غريغوريوس ابن العبري في كتابه مختصر تاريخ الدول عن برديصان قائلاً: "ظهر رجل يدعى برديصان، وسمي بهذا الاسم لأنه ولد على ضفاف نهر ديصان القريب من الرها. وهذا الرجل كان يدعو الشمس بأبي الحياة، والقمر أمها، وفي بداية كل شهر تخلع أم الحياة رداءها المنسوج من النور وتدخل على أبي الحياة لتجامعه، ثم يلدون الأولاد، وهؤلاء الأولاد يتكاثرون، ويكثرون معهم العالم السفلي".
ويفيد ابن العبري في كتابه المذكور بأن برديصان ولد عام 144م من والدين يسميان ونوحاما ونحشيرام.
غير أن الأب ألبير أبونا ذكر في كتابه أدب اللغة الآرامية أن برديصان ولد عام 154م في مدينة الرها من والدين نبيلين وشهيرين. وربما كان التاريخ الأخير هو الأصح لأنه تكرر في كتب سريانية وعربية مختلفة.
في سنة 163 هاجر برديصان لمدينة منبج وتربى في صغره على الديانة الوثنية. لكن في شبابه اهتدى للمسيحية ودرس تعاليمها بعمق وسيم شماساً وربما كاهناً. وعاد أدراجه للرها في الزمن الذي تقلد في مقاليد المملكة أبجر الثامن الكبير 179 ـ 214م وهذا الملك كان صديق طفولته، وهناك من يقول بأن برديصان هو الذي هدى هذا الملك للمسيحية.
هناك من يرجح بأن جذور برديصان وأصوله تعود لمدينة حدياب النهرين. كما ذكر ميخائيل الكبير في تاريخه، وأكد هذا قداسة البطريرك مار زكا الأول في كتابه (قصة مار أفرام السرياني ص 38). وهذا يضع حداً للشكوك حول جنسه لأن البعض حاول نسبه إلى الفرس. ويؤكد على أصوله السريانية إضافة إلى ما ذكر كلمة (بَر : بار) لايستعملها سوى السريان، كما أن أسماء والديه أيضاً هي سريانية خالصة، وزيادة على ذلك فإن ما يثبت سريانيته بشكل لا يدانيه الشك، لا بل تظهر تعصبه لانتمائه السرياني هو كتابته لجميع كتبه وأفكاره باللغة السريانية، وتبعاً لجميع المصادر فإن برديصان مع معرفته الكاملة للغة اليونانية التي كانت لغة الثقافة، ولغة السلطة في ذاك العصر فإنه لم يكتب سوى بالسريانية.
وبعد اهتدائه للمسيحية، بدأ برديصان في نشر المقالات ضد الهرطقات، وبشر بها بحماس، ويؤكد هذا موسى الخوريني في تاريخه الأرمني (ص 2 ـ 66) قائلاً: "إن برديصان كان رجلاً غيوراً ومتحمساً لنشر المسيحية، وجهد كثيراً من أجل إدخال الأرمن في الديانة المسيحية". هذه الملاحظة التي ساقها الخوريني تشير بلا شك إلى عمق الروابط ومتانة العلاقة بين الشعبين السرياني والأرمني، وتداخل تواريخهم. شهادة الخوريني هذه البعض يقول أنها ربما جاءت قبل انحراف برديصان عن الإيمان الصحيح. أما عن موته فقد ذكر ابن العبري في كتابه بأنه تم عام 222م وقيل بأنه في أواخر حياته عاد إلى إيمانه القويم، وتخلى عن الهرطقات التي بشّر بها، وذهب إلى جبال أرمينيا وقضى سنواته الأخيرة هناك.
كتبه ومؤلفاته:
وضع برديصان كتباً كثيرة بكل أنواع المعرفة. لكن لم يبقَ منها سوى كتابه شرائع البلدان الذي يعتبر المادة الأساسية في هذا البحث. ويعتبر من أقدم الكتب المعروفة باللغة السريانية التي وصلت إلينا بعد الكتاب المقدس. ومن مؤلفاته الشهيرة التي انتقلت شفاهاً بعد ذلك مائة وخمسون مدراشاً (قصيدة) نظمها على نمط مزامير داود كما أظهر مار أفرام السرياني، لكن للأسف لم يصل منها شيء. ومن كتبه (النور والظلام ـ الطبيعة الروحية للإيمان ـ الثابت والمتحرك) وذكرت هذه العناوين في كتاب الفهرست لابن النديم. وهناك من ينسب خطأً (قصيدة الروح) لمار توما الرسول. لكن البروفيسور بورغيت قال إن قصيدة الروح هي من نظم برديصان لأنها تحتوي على أفكار غنوصية شبيهة بأفكار برديصان، وأيّده في هذا الأب بولص بيجان الكلداني. ومن كتبه الضائعة كتاب يهتم بعلم الفلك كما ذكر جرجيس أسقف العرب.
كتاب شرائع البلدان يمثل الكتاب الوحيد الذي بقي لنا من مؤلفات برديصان. وكما أسلفنا فهو أقدم الكتب المعروفة في الآداب السريانية الأرضية (اللا دينية) كما ذكر الأب بولص السمعاني في ملحق الجزء الرابع من كتابه (تاريخ الأدب السرياني).
وضع برديصان هذا الكتاب بصيغة السؤال والجواب بينه وبين تلميذيه (عويدو وفيليبوس) وهناك من يعتقد بأن برديصان أملاه على تلميذه فيليبوس، وأن من نسخه هو فيليبوس.
عثر على هذا الكتاب ونشره في لندن بعد ترجمته للغة الإنكليزية المستشرق وليام كوراتون سنة 1855. وطبعه أيضاً المستشرق فرنسيس نو بمدينة باريس عام 1907 بعد ترجمته للغة اللاتينية وطبع عام 1989 في السويد باللغة العربية والسريانية واللهجة السرياني الشرقية بإشراف الأستاذ صبري يعقوب إيشو، ونشرته رابطة المعلمين الآشوريين بالسويد.
وما يثير الاستغراب والتساؤل حقاً هو سبب إضاعة وإتلاف غالبية مؤلفات هذا الأديب دون البقية من الكتاب السريان. ربما إجابة قداسة البطريرك مار زكا الأول في كتابه (قصة مار أفرام السرياني ص 39) تفك شيئاً من ألغاز هذه القصة. إذ يقول: "لأن السريان في ذاك العصر نبذوا السحر والسحرة، وبرديصان كان واحداً منهم، لهذا أتلفوا كتبه). غير أن البطريرك مار زكا ساق رأياً مخالفاً في ختام المهرجان الثاني للأغنية السريانية في مدينة القامشلي عندما قال أن السريان بناة الحضارة لم يحرقوا أو يتلفوا كتبهم، وإنما من فعل ذلك هم أعداء السريان. أياً كانت الأسباب إذ يبدو واضحاً أن السبب الرئيسي الذي تداوله في أكثر من مصدر، هو فكر وتعاليم برديصان نفسها، إذ ربما كانت على النقيض من العقائد السائدة حينذاك وربما تدخلت عوامل سياسية في ذلك. كما أن هذه المنطقة، وبصورة أدق الذهنية الشرقية بالذات، وفي كثير من الأوقات حاصرت أصحاب الفكر وكذلك الأفكار لدرجة الإحراق والإبادة والقتل، وهو جزء من تراث المنطقة الذي لا يمكن إنكاره.
الفكر الأدبي والفلسفي والديني عند برديصان:
عاش برديصان على مقربة من القصر، في أوساط يعمها الترف والغنى. وهذا أتاح له التعلّم والنهل من كل أنواع المعرفة بذلك العصر، كما اطلع على النتاجات الأدبية والفلسفية لكل من سبقه من الأدباء والفلاسفة. وتأثر بالحضارات التي تعاقبت على المنطقة وخاصةً الحضارة الرافدية التي ينتمي إليها ويعتبر استمراراً لها. وزاد من معرفته من خلال الاطلاع على حضارة المصريين واليونان والفرس والهنود والروم.
وللتعرف أكثر على شخصية برديصان ومزاياه لا بد من سرد التعريف الموجز الذي قدمه عنه المستشرق الفرنسي رينان الذي قال: "كان رجلاً اجتماعياً، غنياً وذا صفات حسنة، كريماً، عالماً متبحراً، حجز لنفسه مكاناً داخل القصر، تعمق في علم الفلك، وثقافة اليونان، يشبه نومينس الذي أحاط بعلمه كل الفلسفات والعقائد، دخل المسيحية وبشّر بها كرسول. وكلما آمن بإحدى العقائد المسيحية طبعته بطابعها الخاص، في الوقت الذي لم ينتمِ لأيٍّ منها رسمياً. نبذ برديصان تعاليم مارقيون لشدة تنسكه وزهده، لكن جذبته عقيدة فالنتينيوس بسبب طابعها الشرقي. كفر برديصان بقيامة الجسد، وقال بأن الروح لا تولد ولا تموت. والجسد ليس سوى وعاءً مؤقتاً لحفظ الروح، وزعم بأن يسوع المسيح لم يتجسد حقاً وإنما اتحد بشبح أو خيال". من هذا الوصف الذي قد لا يتفق معه الكثيرون يمكن الوقوف على جانب كبير من فكره الديني والفلسفي.
براعة برديصان برزت بشكل أوضح في مجال الشعر لدرجة يمكن تسميته بأبي الشعر السرياني لما امتلكه من مهارة وقدرة على نظم القصائد، ولأنه جعل للشعر والقصيدة السريانية مكانة وأهمية بارزة. وبعده ارتفع مستوى الشعر السرياني لدرجة غير مسبوقة، وأشار لذلك مار أفرام في إحدى قصائده التي يمكن الاستدلال منها على براعة برديصان في المزج بين الأفكار وفنون الكلام إذ يقول: "نظم برديصان قصائد وأشعار مزجها بألحان وأنغام، وكتب أغانٍ وموشحات، بأوزان وتراكيب فريدة وجذابة، وبهذا جرّع البسطاء المرارة بحلاوة كلامه وجمال ألحانه، أراد الاقتداء بداود، متزيناً بجماله، متشبهاً به، نظم مائة وخمسون أغنية، بعدد مزامير داود، تسابق معه في العدد لكنه وضع الحق جانباً". وبسبب براعته في مزاوجة الكلمة مع اللحن استطاع أن يسحر ويجذب شبيبة الرها لتعاليمه. وتكونت بذلك الوقت فرقة من الشباب الذين هاموا بتعاليمه عرفت بالفرقة الديصانية. وأصبح له أتباع وتلاميذ، عملوا على نشر أفكاره وأشعاره بعد موته. غير أن أشهر هؤلاء هو هرمونيوس ابن ديصان، الذي ضاهى والده في نظم الشعر، وسار على خطواته. وذكر في التاريخ الكنسي في الجزء الذي يتحدث على مار أفرام ومواقفه إزاء الكفار والهراطقة: " ولأن هرمونيوس ابن برديصان، كان قد نظم موشحات، ولأنه خلط الإلحاد بحلاوة النغم، كان يسبي السامعين، ويصطادهم ليوقعهم في التهلكة. لهذا فإن مار أفرام نسج على نفس المنوال، واستخدم اللحن مع الكلمة التي جسدت فخامة الله، وبهذا قدّم للسامعين النغمة الطيبة والدواء الشافي بذات الوقت، ويبدو هذا جلياً في المداريش التي ألّفها".
وأكد تودوريطوس على ما قاله مار أفرام عن برديصان، إذ ذكر بأن برديصان كان ينفخ الكفر والإلحاد بحلاوة النغم لأنه بذكائه الحاد فهم بأن الشباب تواقون للجمال، وبأغانيه تمكن من أن يسحر هؤلاء. إن هذه الشهادات بلا شك تمثل اعترافاً بإمكاناته وقدراته الأدبية والموسيقية الخارقة التي جذبت أجيالاً عديدة لتعاليمه. لكن يبدو أن صفة الهرطقة تظل تلازم برديصان على الدوام. فمار أفرام لا يتوانى عن القول أن الشيطان قد حلّ في جسد برديصان لهذا تجرأ على عدم الإيمان بقيامة الإنسان.
بيد أن الأب ألبير أبونا مع تسليمه بأن آباء الكنيسة ربما امتلكوا براهين وإثباتات تظهر هرطقة برديصان وإلحاده لكنه في الوقت نفسه يقرّ بصعوبة تحديد نوع هذا الإلحاد الذي سار عليه برديصان.
لكن ما تقدم لا ينفي تأثيرات الديانات الأخرى التي انتشرت في المنطقة، فأفكاره تضمنت بوضوح تأثره بالديانات الرافدية القديمة، وكذلك بتعاليم زرادشت وماني. ربما هذا يفسر اهتمامه الشديد بعلم الفلك، وبمهنة التنجيم، وهو يعترف بأحد فصول كتابه شرائع البلدان بأنه كان قد أولى مهنة التنجيم اهتماماً وشغفاً خاصاً. لذلك لم يكن غريباً أن يؤمن بتأثير الأبراج، ونادى برديصان بوجود سبعة عناصر أزلية، أشار إليها مار أفرام في مدراشه الواحد والخمسين وتتكون من (العالم، النار، الروح، الماء، التراب، الشيطان، الإنسان).
بالرغم من الجهود والمحاولات المستمرة التي بذلها مار أفرام في محاربة تعاليم برديصان، غير أن قصائده وأشعاره ظلت منتشرة ومطلوبة في الرها لغاية عصر أسقفها رابولا عام 435، وهذه الحرب الفكرية التي استخدم فيها مار أفرام نفس الأسلحة التي استخدمها برديصان في نشر فكره، تدل بلا أدنى ريب على قوة تأثير وعمق الأفكار التي قدمها برديصان، بحيث أخذت زمناً طويلاً قبل زوالها أو إزالتها. لكن ألحانه بقيت في الكنيسة، لأن مار أفرام نفسه وجد نفسه مضطراً لاستخدامها لا بل أضاف عليها، وحمّل عليها أشعاره وقصائده التي ضمنها التعاليم الصحيحة أو الرسمية للكنيسة.
شرائع البلدان ـ قراءة جديدة:
عندما يدقق القارئ بإمعان في كتاب شرائع البلدان، ويضع جانباً المؤثرات الدينية والتفسيرات المتباينة لدى كل طائفة أو مذهب، ويتخفف مما قرأ أو سمع عن إلحاد برديصان، ويتوسل الهدوء أثناء قراءته لهذا الكتاب دونما موقف مسبق أو جمود أو تعصب. فإنه بدون ريب وبدون مبالغة سيتوقف أمام نبع دفّاق من المفاهيم والقيم الأخلاقية التي تناسب هذا العصر وكل العصور صاغها برديصان بطريقة مبسطة وقريبة من إدراك القارئ العادي مستخدماً سبيل الحوار والمحادثة. وربما هذا ساعد على انتشار هذا الكتاب عصر ذاك، وبالتالي ساعد على انتشار هذه القيم والمفاهيم، وأعطاها تأثيراً كبيراً لدى العامة. وفي هذا الكتاب يتبدى برديصان محاوراً ومتحدثاً هادئاً ولبقاً متقناً لقواعد الحوار، ومتقبلاً للآراء الأخرى المختلفة، دون أن يبتعد عن المنطق في سعيه لدحض الآراء الأخرى وبهدف الوصول إلى قناعة كاملة بصواب ما يطرح لدى القارئ. ثقافته ومعرفته الواسعة بشتى أنواع الأدب والمعرفة ساعدته على بلوغ هدفه هذا.
ويتجلى بوضوح من خلال هذا الكتاب مدى تقدير برديصان لعقل الإنسان الذي لم يستخف به مطلقاً كما فعل ويفعل آخرون، إن مزايا مثل هذه تبدو في أيامنا هذه غائبة أو معدومة لدى الكثير من المثقفين. ولا بد أن يزداد احترامنا لفكر ومواقف برديصان عندما نكون على بينة حقيقية على طبيعة العصر الذي عاش فيه، عصر سيطر عليه الجمود والتعصب الأعمى للعقائد، غذى هذا تسلط إمبراطوريات سعت بكل ما تستطيع فرض عقائدها ودياناتها بكل السبل بما في ذلك القوة العسكرية.
إذاً نقول بأن برديصان كان فيلسوفاً اهتم بشؤون الدنيا أكثر من اهتمامه بأن يكون مبشراً لعقيدة دينية. وحاول أن يوائم ويوفق بين الفلسفة والعقيدة، وتبسيطها بهدف تقريبهما من عقل الإنسان، مستخدماً في ذلك سبيل الموسيقا القادرة على تحريك مشاعر وأحاسيس الإنسان.
وبرديصان بالرغم من تصديه لبعض العقائد، لكن تعاليمه تجسد معظم إيجابيات الدين. لأن فكره قام على أسس أخلاقية يعمل الجميع لترسيخها وتثبيتها لأنها تؤكد إنسانية الإنسان. وهذه الأسس وإن اتشحت برداء ديني لكنها أسس أرضية في المقام الأول. ومن القضايا التي تناولها برديصان في هذا الكتاب قضية الحرية كمثال. هذه القضية التي ما تزال مثار اهتمام الإنسان وأمله في كل مكان وزمان. وهذا ربما يقدم تفسيراً لتقلبات برديصان، وسعيه الدائم في بلوغ المعرفة، لأن البحث عن المعرفة وبلوغها هو فعل الحرية بعينه.
وفي شرائع البلدان يكشف عن فلسفة مسيحية حقيقية لا تخفي ذاتها إذ يقول: "إن الحكمة الإلهية هي التي بنت العالم، وخلقت الإنسان، ونظمت إدارته، ومنحت لكل مسألة قانونها، والقدرة للسيطرة على ذاتها".
ومجمل الكتاب يدور حول ثلاثة عناصر وجودية يرى برديصان أنها تحرك الإنسان وتوجهه، وهذه العناصر هي : (الطبيعة، القدر، الإرادة أو الحرية). ويقول: "الطبيعة تحتوي على قوانين ثابتة لا تتغير، والقدر هو السلطة التي منحها الله للكواكب والنجوم، وكلما انحرفت الطبيعة عن حقيقتها ومسارها، يكون هذا بسبب القدر الذي يتجلّى تأثيره عند عملية الولاة. أما الإرادة فهي الحرية التي تسمح لنا فعل الخير أو الشر وبكل ما لم يتحدد في الطبيعة أو القدر".
والكتاب بمجمله ينطوي على تأكيد مفهوم الحرية: "الإنسان خلق حراً، والكواكب التي تملك سلطة على جسده، لكنها لا تملك أية سلطة على روحه". وحاول برديصان الغوص في أعماق النفس البشرية للوقوف على الأسباب التي تجبر الإنسان على فعل الخير أو الشر، مقترباً بذلك من علم النفس كما يسمى في عصرنا الحالي ويقول: "عندما يأتي الإنسان بفعل جيد، سيطيب خاطره ويرتاح ضميره وسيفخر بأن يرى كل إنسان فعله. وعندما يخطئ ويأتي بما هو ضار، ستضطرب نفسه وتهتاج، ويمتلئ بالغضب، وسيشعر بانسحاق نفسي وجسدي، وعندما يستمر بهذا الفعل وهذا الرأي، سيجهد لإخفاء عمله عن أعين الناس". ويقول أيضاً: "عمل الجسد تعطله الشيخوخة والمرض والفقر".
ميّز برديصان في هذا الكتاب بين المحبة الزائفة والمحبة الحقيقية قائلاً: "المحبة الزائفة تدعى شهوة تكفل راحة مؤقتة للنفس، لكنها بعيدة كلياً عن المحبة الحقيقية التي تضمن راحة أبدية لا تنتهي".
والجانب الأخلاقي لا يكاد يختفي حتى يظهر بين ثنايا الكتاب، لا بل يحرص برديصان على إظهاره لكن بطريقة مبسطة وسلسة: "لا يُخجِل الإنسان إن كان طويلاً أو قصيراً، أبيضاً أم اسوداً، عيناه كبيرتان أم صغيرتان، ولا يُخجِله كذلك أياً من عيوب الجسد، يُعابُ فقط إن كان سارقاً أو كاذباً.. مخادعاً". ويؤكد برديصان على حرية النفس والإرادة: "تلك الأعمال التي لا نقترفها بأيدينا من الطبيعة تأتي وتحدث. على هذه الأعمال لا نحاسب، كما لا تجلب لنا الفخر. لكن تلك التي بحريتنا نقوم بها إن كانت جيدة، نتمجد بها، وإن كانت سيئة، نلام عليها ونُدان". وتحدث في كتابه بشيء من الدقة على كتاب الكلدان (الفلك) وعلى شرائع وعادات وممارسات بعض الشعوب مثل /الشيرييّن والهنود والفرس والغاليين والأمازونيس/.
وختاماً أقول انه في هذه العجالة لا يمكن الوقوف على كافة آراء برديصان وأفكاره، كما لا يمكن أن نفيه حقه كرمز من رموز الثقافة السريانية على مرّ العصور، بسبب قلة المصادر التي تتناوله من ناحية، ولأن دراسة فكره تحتاج للكثير من التدقيق والتعمق وهي من مزايا الأكاديميين التي لا ندّعي امتلاكها. أياً كان الأمر فغن برديصان وإن بقي مجهولاً من قبل الكثيرين، فإن مار أفرام ردّ له اعتباره وإن بشكل غير مقصود من خلال صراعه مع فكر برديصان، حيث تسلّح مار أفرام بكل عبقريته، وتسلّح بأسلحة برديصان من أجل إزالة فكره، وفي هذا دلالة على عبقرية برديصان ومكانته الفكرية والأدبية. نأمل أن نكون في محاولتنا هذه قد أضأنا بعض جوانب فكر هذا الفيلسوف السرياني بما تسنى لنا من مراجع.
مراجع البحث:
1 ـ ملحق الجزء الرابع من تاريخ الآداب السريانية. الأب بولص السمعاني.
2 ـ ثقافة اللغة الآرامية . ألبير أبونا.
3 ـ قصة مار أفرام السرياني. قداسة البطريرك مار زكا الأول عيواص.
4 ـ شرائع البلدان. برديصان ـ السويد 1989.
5 ـ مقالات متعددة.


اثرى العدد الثاني عشر
__________________
إنني رافضٌ زماني وعصـري ومن الـرفضِ تولدُ الأشـياءُ

رد مع اقتباس

Sponsored Links
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:50 PM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2020
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2020
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص