موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > المنتدى الأدبي > القصص و الروايات المميزة

 
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11th September 2014, 01:49 AM
ربى عبد الحي ربى عبد الحي غير متواجد حالياً
مشرفة منتدى مما قرأت
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 108
الجنس: انثى
ربى عبد الحي is on a distinguished road
طفلةُ الأرصفة


اعتدتُ دوماً رؤيتها عندَ منعطفٍ آخرَ للقهر.

وجهُها الغضٍّ البريءُ ينبضُ حزناً وجمالاً، وملامحَها الطفوليّةُ تسافرُ خلفَ نَظَراتٍِ تائِهةٍ شريدة، تضمُّ إلى صدرها طفلاً رضيعاً وهي تتقاسمُ صلابة الأرصفةِ مع مجموعةٍ أخرى من الأطفال، الّذين امتهنوا التسلَّلَ من عتمةِ زواريبِ الفقر، ليفترشوا مفارقَ دروبنا، فينفضحُ في سطوعِ ضوئها العريَّ المفرِطَ لطفولتهم، والكِسوةُ الباذِخَةُ لحياتنا.

أيديهمُ الصغيرةُ الممتدةِ بالدعاءِ أحياناً، وبعلبٍ رخيصةٍ للعلكةِ أو المحارم أحياناً أخرى، لطالما أيقظتِ الحزنِ في أعماقِنا، ونحن نراقبهم من خلفِ أسوارِ عوالمنا المحاذيةِ لبؤسهم.

في توقّفٍ ضوئيٍّ أحمر، تسرّبت يدها الرقيقةُ عبرَ شبّاكِ سيارتي، واحتضنتْ يدُها الأخرى الطّفلَ الرضيعَ، فأسرعتُ لأغتنمَ الفرصةَ وأُلقي بأسئلتي المتزاحمةِ أمامَ حزنها:
- أينَ أهلكِ يا صغيرة؟ لماذا لا يعملونَ بدلاً من ترككِ أنتِ وأخاكِ تتسوّلانَ على هذهِ الأرصفة؟
كنت أودُّ أن أتابعَ، فأعرضُ أن أشتري لها أيَّ شيءٍ يؤكلُ، واعتذرُ وأنا أشرحُ لطفولتها بأنني لن أعطيها المال، كي لا أشجّعَ البالغين الّذينَ يستخدمونها على استغلالها وإبقائها في الشّارعِ أكثر.
لكنها اعترضت تدفّقَ كلماتي لتقولَ بحرقة:
- هذا ابني وليسَ أخي، وما من أهلٍ لديهِ ليعمَلوا ويطعموهُ سوايَ.

انطلقَ الأخضرُ، فابتعدت وهي تغلقُ محادثتنا بنظرةٍ موجعةٍ يتدفَّقُ منها العتبُ والكبرياءُ المهزوم، ولسانُ عينيها يقول "وكيفَ لمنْ تجلسُ خلفَ مقودِ سيّارةٍ مثلكِ أن تدركَ كمْ يمكنُ للحياةِ أن تكونَ قاسيةً على منْ همُ مثلي."

مشاعري المصدومةُ المضطربةُ أعادتني إليها عندَ المنعطفِ الأوّلِ للطريق، لكنّها لمْ تكنْ هناكَ كما لمْ تكنْ هناكَ بعدَ ذلكَ أبداً.
الأطفالُ الآخرونَ أخبروني، بأنها يتيمةٌ من قريةٍ بعيدةٍ في الشمال، وأنَّ أرملةَ أبيها أرادتِ التخلّصَ منها، فزَوّجتها عندما كانت في الثانيةِ عشرَ من العمرِ لرجلٍ بعمرِ والِدها، أتى بها إلى هذهِ المدينة، ورماها إلى وحشةِ الطريقِ ما أن علمَ بحملِها.

أردتُ بشدّةٍ أن أستسمحَ حزنها، أردتُ بشدّةٍ أن أخبرها بأنَّ عيّنيها على حق، فما من أحدٍ يدرِكُ حجمَ وجعَ القهرِ إلا من يحترقُ بناره، ولكن فلتسمح لي على الأقلِ أن أحاول.

لكنّها اختفتْ أبداً، وتركتْ لي نظرَتَها الّتي لا تزالُ تحفرً سراديباً للحزنَ في حنايا روحي.
ولا زالتُ ملامِحها الغضّة تُطالِعُني في وجهِ كلِّ طفلةٍ لاجئةٍ تباعُ بعقودٍ شرعيّةٍ موقّعةٍ بشهادةِ الجوعُ والحرب.
ولا زلتُ أنا، ابحثُ بسذاجةٍ عبثيٍّةٍ عن عينيها الحزينتينِ كعينيّ وطني، لأعتذرَ أمامهما عن عجزي وضعفي وقلّةِ حيلتي في حضرَةِ هذا الكمَّ الهائلِ منَ الفجائع.
رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:13 AM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2020
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2020
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص