عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 31st July 2009, 12:11 AM
الصورة الرمزية تامي العيسى
تامي العيسى تامي العيسى غير متواجد حالياً
عضو متقدم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
الدولة: زيدل
المشاركات: 90
الجنس: انثى
تامي العيسى is on a distinguished road
الطفل الكبير ....

ربما ستسخرون حينما تقرؤون هذا الموضوع وتتساءلون ماذا تعرف هذه الفتاة عن عقد الحياة ومشاكلها وظلمها ... الدنيا مليئة بما تطرحه.... ربما هذا صحيح ...

لكن على الرغم من كل المواقف التي شاهدتها ومن كل الماسي والفقر الذي يعانيه الناس وأشاهده على التلفاز وتتناقله الإذاعات لم يبق شيء منها في ذاكرتي ... كانت وليدة اللحظة ودفينة اللحظة .... رغم ما شاهدته أيام الحرب على غزة من جرائم موحشة تعرض لها أطفالها الأبرياء ورغم ما عانوا من ظلم وبطش فإنني تأثرت كأي إنسان له مشاعر وأحاسيس وبكيت وصليت وحمدت الله على ما أعطاني إياه من نعم لا اشعر بها في كل وقت ...
لكنني عدت الى حياتي ... نعم نسيت ... تابعت حياتي كما كنت اعيشها من قبل وكأن شيئا لم يحدث ....
في ذلك اليوم (اي قبل حوالي 3 اشهر) كنت في فترة الانقطاع (للباكالوريا) ... كنت وحيدة في المنزل ... اخوتي ووالدي ذهبوا ولم اعد اذكر .... المهم انني كنت وحيدة ولا ادري تلك الحالة التي اصابتني .. .اظنها شعورا طبيعيا يشعر به كل طالب باكالوريا ... ياس وخوف وملل وقلة في الثقة بالنفس والشعور بالحرمان والتضحية المستمرة بكل ما يلهيك عن الدراسة .... اخذت تلك المشاعر تختلط في داخلي وكدت انفجر .. وكعادتي نظرت الى صورة يسوع في الغرفة ... وسالته : لماذا يا يسوع ؟ لقد تعبت كثيرا ... اهذه حياة ؟ انا مازلت في منتصف الانقطاع وبقيت مسافة كبيرة حتى اصل الى النهاية ... لكنني لم اعد اتحمل ولن استطيع الاستمرار ... ساستسلم وسيضيع كل ما درسته خلال مسيرتي ...
وكنت اكرر .... اهذه حياة التي اعيشها ؟
في هذه الاثناء ... قرع الباب ... قمت لافتح وكنت غاضبة ... من يطرق في هذه الاوقات ... الا يعلمون انني باكالوريا واحتاج للتركيز ....
فتحت الباب ... وخلف الباب كان طفل صغير ... نحيف متسخ الثياب ..نظرت الى يديه فوجدت كيسا مملوءا باسفنجات ومماسح ... كان الكيس اكبر منه وعلى الرغم من ذلك قام بحمله ... لاحظت ان عيناه ليستا سليمتين ...
اشفقت عليه ونسيت انني غاضبة ... بل انني لاول مرة نسيت درسي ..
طلب كوبا من الماء والعرق يتصبب من جبينه ... ثم اخذ يعرض علي بضائعه ... في الحقيقة لم اكن اكترث بما يحمله او بما يبيعه ... انها مهمة امي وانا لدي ما يكفيني لانشغل عنه بمماسح واسفنجات ...
لكنني اكترثت حقا ... ليس بما يبيعه بل به هو ذلك الطفل الصغير الذي يجوب الشوارع في ساعات الظهر الحارة ... اليس لديه اشياء اخرى ليقوم بها ... مثلا ان يلعب الكرة او يركب الدراجة او يحضر التلفاز ... انه طفل ولكن ان يبيع الاسفنج ؟؟؟؟
سالته عن اسمه .. فاجاب بان اسمه حمزة ... وعن عمره فقال بانه 12 سنة اي انه بعمر اخي ... ولكنه لفرق كبير بين حمزة واخي ...
قال لي انه بصف السادس لكن الجلاءات لم تصدر بعد ... فضحكت لبراءته ... يخبرني بهذا مع انها اول مرة اراه فيها ...
لاحظت بانه مهتم بهذا الموضوع ... فسالته ان كان شطورا وكلمته عن اخي وبانه متفوق فقال انه جيد ايضا ويحب المدرسة ...
لا اذكر ما تكلمنا عنه ايضا ... اخذت منه بعض الاسفنجات واعطيته نقودا وذهب ... شعرت بارتياح كبير بعد مكالمة هذا الطفل الصغير ثم عدت للدرس ...
مرة اخرى ... كنت كالعادة ادرس ... قرع الباب وكان حمزة واقفا وراءه يريد بيع بعض الاسفنج ... كانت امي واختي في الغرفة معي ... طلبت منه الدخول وكان يحمل كيسا من المماسح والاسفنج كالكيس الماضي ... اخذ يعرض ما لديه امام امي فربما قنعت بان تشتري بعض ما لديه ....
نظرت اليه ... طفل بهذا العمر يتكلم كلاما مماثلا .. وكانه مندوب مبيعات او خريج احد الكليات ... انه لا يتكلم كطفل ...
لم استطع منع نفسي من السؤال : حمزة لماذا تعمل ؟ لماذا لا تلعب كباقي الاطفال ؟
نظر الي بكل ثقة وقال : لانني لا اريد ان اضيع وقتي في اللعب ؟
قلت له : هل اللعب في رايك مضيعة للوقت ؟
لم يجب وكانه اغتاظ مني ....
سالت امي : وماذا يعمل البابا ؟
نظر اليها بانكسار وقال : ابي عاجز وانا اكبر اخوتي واريد ان اساعدهم ... كيف نعيش اذا لم اعمل ؟
لم استطع الرد ... لم يستطع اي منا الرد ... اخبرنا حمزة انه من ادلب يذهب يوميا الى العمل لانه الصيف وليس لديه مدرسة ... اما في المدرسة يعمل في ايام العطل ....
لم نستطع التعليق على اي شي مما قاله ... لم نستطع سوى البكاء ...
انهمرت بعض قطرات الدمع من عيوننا اشفاقا على ذلك الصغير الكبير ... نظر الينا حمزة واظنه هو من اشفق علينا ....
حمل اكياسه وذهب .....
يتبع .....
__________________
مر الشتاء.... ولم أتنشق رائحة التراب ......
ولكنني ما زلت آمل أن يمحي المطر حزن فصولي الأخرى ......
رد مع اقتباس

Sponsored Links