عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22nd April 2016, 02:14 AM
الصورة الرمزية Elie Swed
Elie Swed Elie Swed غير متواجد حالياً
مدير عام و مشرف المنتدى الإداري
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: zaidal
المشاركات: 1,388
الجنس: ذكر
Elie Swed is on a distinguished road
نتابع :

الآنسة منتهى يازجي

الاســـم:	منتهى يازجي.jpg
المشاهدات: 2041
الحجـــم:	121.3 كيلوبايت


تفضلت الآنسة منتهى يازجي بتقديم السادة الأساتذة أصحاب الأمسية معرّفة الحضور بالسيد الأستاذ نزيه بدور :

ـ السيد الدكتور نزيه بدور : كاتب وأستاذ جامعي , صدر له رواية بعنوان (( مقتل الدكتور علي )) عام 2006, ومجموعة قصصية على شفى حب عام 2007, وهورئيس مجلس إدارة نادي السينما .


الأستاذ نزيد بدور

الاســـم:	نزيه بدور.jpg
المشاهدات: 1921
الحجـــم:	146.2 كيلوبايت


وتفضل الأستاذ نزيه بدور بتقديم أقصوصته بعنوان (( بينما أحتضر )) :


(( بينما أحتضر )) :


هل حدثكم أحدٌ عن لحظاته الأخيرة, وهو يلملم أوجاعه ويحزم حقائب حزنه ويغادر هذه الحياة؟
هل روى لكم رجل ميت آخر حلم رآه؟
أنا سأفعل :
وأنا في غيبوبتي, كنت أعي حالة سباتي, وأحاول جاهداً أن أستيقظ دون جدوى...
كنت معلّقاً على أعتاب الفراغ, محكوماً بانعدام الوزن وتداخل الوقت. لكنّ صوتاً من تلك الأصوات العاديّة, ينتشلني بلمح البصر من فضاء أحلامي الكثيفة اللّزجة, يقذفني إلى فراغ الواقع.
ذلك الصوتُ يمزّقُ الغشاءَ الفاصلَ بين الحلم واليقظة, يوقظني...
أنا مستيقظٌ الآن, أستلقي على سريرٍ ذي عجلات في مكان بارد ورطب يشبه المشفى. كلّ ما يحيط بي يدلّ على أنني في مشفى؛ روائح الأدوية وموادّ التعقيم, عبارات طبّية تدور على ألسنة النساء في زيّهم الأبيض وهنّ يسعين بهمّة واجتهاد.
في الحلم أقفز وأركض وأطير. وفي اليقظة لا يتحرّك في جسدي عضوٌ غير أجفاني.
أسمع أحاديثَ مقتضبةً بلهجات عربيّة مختلفة. أحاول أن أقول شيئاً فلا أنجح. يبدو أنني لا أستطيع الكلام. أسمعهم ولا يسمعونني.
إذن أنا حيّ وصاحٍ, أتنفّس وأسمع وأرى, وها قد بدأتُ أتعرّف على نفسي أكثر, وأتذكّر بعضاً ممّا حصل لي.
تقرأ الممرّضة بطاقة سريري في المشفى:
الاسم: غير معروف.
العمر: يقدّر بستّة وثلاثين عاماً.
الجنسيّة: مجهولة.
معلومات أخرى: لا يوجد.
مجدّداً أحاول أنْ أقول:
ـ سجّلي اسمي وجنسيّتي على تلك البطاقة اللّعينة:
أنا الدكتور عليّ سعيد سعيد, سوريّ الجنسيّة. ولمعلوماتكِ الأخرى, لقد وصلتُ وزوجتي "ناتاشا" وابنتي "ماشا" إلى ليبيا منذ أيّـام, لا أذكر متى بالضبط. وقبل أن أغادر وطني أذكر أنّني استدنت من زميلي الدكتور توفيق مئة "دولار" أمريكيّ, ومن أختيّ عشرةَ ألاف ليرة سورية. سوف أعمل هنا مدرّساً في إحدى جامعات ليبيا, حتّى أسدّد جميع ديوني وأخرجَ نهائيّا من ضائقتي الماليّة.
لكنّ صوتي لا يغادر حنجرتي, وأشعر بعجزي التام. أحسّ أنّني بلا قيمة, ككرة شوك كبيرةٍ خفيفة, تعبث بها الريح, تدحرجها على سطح طريق أسفلتي مزروع في رمال الصحراء, يلمع السراب فوقه من بعيد كلجين الماء.
أرغب بتحريك رأسي دون جدوى, وبينما أحاول, أسمع رجلاً يقول باللّهجة المصريّـة, بنبرةِ الطبيب الواثق:
ـ طال احتضاره, ولا فائدة من بقائه في غرفة العناية الخاصّة. حالته ميؤوس منها, انقلوه إلى غرفة أخرى.
ـ الأماكن قليلة يا دكتور. حادث الأمس كان فظيعاً.
ـ ما وضع العنبر رقم ستّة؟
ـ هناك سرير واحد فارغ, وتسعة أماكن مشغولة بالمصابين في اصطدام الحافلتين.
ـ حسنا, ادفعوا به إلى تلك الصالة, ريثما نتعرّف على هويّته وحتى يحضر أحد من ذويه.
العنبر رقم ستّـة عبارة مألوفة لي, إنها عنوان رواية روسيّة، بل قصّة طويلة, ولكن ما أهمّية ذلك الآن؟
أحسّ بامرأة تحاول أن تساعدني. تنحني نحوي فيصبح وجهها قبالة عينيّ. تشبه النساء الآسيويّات, لعلـّها فيليبّـينيّة أو إندونيسيّة, من يدري؟
تقول لي بالإنكليزيّـة, بلكنتها الخاصّة وبصوت ضعيف حنون, كأنها تهمس في أذني:
ـ لا تخف يا صغيري, سأعطيك الآن حقنةً قوّية المفعول, تمنحك غفوة طويلة ولذيذة.
أخلدُ للنوم فأنتقل إلى عوالم أحلامي الغريبة, فترة من الزمن لا أعرف كم هي بالضبط, ربّما دقائق وربّما ساعات.
أفتح عينيّ وأعود إلى اليقظة. أشعر بالخوف وأنا أتذكّر آخر مشهد رأيته في الحلم:
(عجوز حزينة تنظر إلى السماء, باسطة يديها, متضرّعة إلى الله, تشبه أمّي... طفلة صغيرة شقراء تجرّ دبّـاً من الفرو وتسير تائهة على كتف طريق صحراوي. إنّها ابنتي "ماشا", لكنّها بائسة جدّاً, مهلهلة الثياب وشعثاء الشعر. ينقبض قلبي ويتدفّق قلق أسود في شراييني).
تلك هي آخر رؤيا. أشعر أنّي رأيتها سابقاً أكثر من مرّة.. تلحّ تلك الأحلام عليّ مختلطةً بالذكريات, فتأسر نفسي وتمزّق روحي.
أوجاع جسدي تهاجمني بشراسة ذئبٍ جائع, ينهش الألم أعصابي, فأشعر بأوجاعَ داخليّة شديدة لا طاقة لبشريّ بها.
فجأة يتلاشى الألم, وأحسّ أنني خفيفٌ معافى. لقد فقدت الإحساس بالألم, ربّما لشدّة ضراوته, كأنّـني الآن شخصٌ وهميّ؛ أحد شخوص رواية, أو وجه بارد من وجوه لوحة زيتيّة جداريّة.
أرى وجهَ زوجتي الأبيضَ النّقي يقترب من عينيّ, وأشاهد أنفها المحمرّ, وعينيها الزيتونيّتين وقد تعكّر صفاؤهما المعهود, وكأنّها بكت طويلاً وكفّت منذ لحظات.
تقبّل جبيني وتهمس بعباراتٍ غامضة:
ـ "... شيء ممكن, لا بدّ ... سيشفى".
لم أعد أفهم لغتها الروسيّة جيّـداً. تختلط الأصوات, ربّما سمعت كلمة "احتضار" من شخص آخر.
يا إلهي, هل سأغادر الحياة بالفعل؟!
ماذا فعلت لأستحقّ ذلك؟
ألا أستطيع أن أدوّن الصفحة الأخيرة من حياتي في دفتر مذكّراتي؟
هل أهذي وأتخيّل؟
على كلّ حال, أفرح بلقاء زوجتي "ناتاشا", ولا أستطيع أنْ أعبّـر عن فرحي.
لن أبادر إلى معانقتها وتقبيلها كسابق عهدنا. ببساطة لأنّني فهمت ما آلت إليه حالتي. هذا ليس كابوساً وأنا فعلاً في حالة احتضار, بل أظنّني لم أعد موجوداً, نعم أعتقد أنّي لم أعد موجوداً. انتهى الأمر.
__________________
الأرض التي تقع عليها متـألماً

عليها تتكئ وتقف من جديد
رد مع اقتباس

Sponsored Links