عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 9th July 2008, 10:34 AM
الإدارة الإدارة غير متواجد حالياً
الإدارة العامة للمنتدى
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
المشاركات: 279
الإدارة is on a distinguished road
كلمة سيادة المطران جورج كساب لشكر اهل قريته


ـ إلى نيافة الكردينال موسى داود الجزيل الوقار ...

ـ إلى نيافة الكردينال ليوناردو ساندري رئيس مجمع الكنائس الشرقية في روما ...

ـ إلى شعبنا الطيب في كل مدينة في العالم ...

ـ إلى أخوتي الأساقفة والكهنة ...

ـ إلى جميع الأهل والأصدقاء والمحبين الذين عبّروا عن محبتهم ولهفتهم ومشاركتهم محنتي الصعبة التي عشتها في روما ... إن كان التعبير قد أتى من خلال الهاتف ... الإنترنت ... أو اللهفة الصادقة... أو الصلاة أو الدعاء ...

ـ إلى كهنتي الصغار الذين تسمّروا أما م فراشِ مرضي ... الأب بيير والأب طلعت يازجي الذي لم يتركني ولا لحظة واحدة ...

ـ إلى الإبن الغالي الذي ذلّل كل الصعاب من اللحظة التي ذهبنا فيها ليلاً إلى الإسعاف وحتى هذه اللحظة التي سوف نغادر فيها المستشفى ... إنه الأب رامي قبلان .

ـ إلى ملاكي الصغير التي تركت بيتها لتقف بجانبي في محنتي الصعبة ... إنها ابنتي الغالية إلهام كساب...

ـ إلى كل هؤلاء أسوق كلمة شكر نابعة من أعماق قلبي الذي رغم الإصابات المرضية ... ما زال ينبض بالحب إلى جميع أبناء شعبنا الطيب الذي أفتخر بروحانيته وطيبته ولهفته وبساطته وأصالته أينما كنت وأينما وجدت ... لا أخفي عليكم بأني عشت خبرة الألم بكل أبعادها ... ومررت بساعات اشتهيت أن يخفّ الألم ولو لحظة واحدة... وما هوأصعب من هذا الألم ... حيرة الأطباء من أين يبدأون العلاج ...
الهجمة كانت شرسة ... تناولت كلّ أعضاء الجسم ... وعندما كنت احتج بأن المريض ... يجب أن لا يتألم في المستشفى ... كان الجواب : يا سيدنا إذا توقف الألم لا نعود نعرف من أين نبدأ ...
عشت هذه التجربة في الأيام الأولى وأنا أنتظر بفارغ الصبر الساعة الواحدة والنصف والساعة السابعة ... لأنه فقط في هذا الوقت ... كنت أستطيع أن ألتقي بالأصدقاء الموجودين في روما ... ولا سيما كاهني الصغير رامي لأعرف منه ما هو الوضع الذي أنا فيه .
كانت يداي مسمّرتين ليلاً نهاراً مع الأوكسجين والنباريج التي تزيّن جسمي في كلّ مكان ... إنها لحظات صعبة يفقد فيها الإنسان معنى الزمان والمكان ... فلا تعود الساعة ضرورية لأن الزمان يدور حول نفسه ولا يميز المريض النهار من الليل ... وإن أنسى لا أنسى تلك المريضة التي كانت تتألم بصوت مرتفع وسألت الممرّض : أجابها الممرض بابتسامة ساخرة : " فلتكن الساعة كما تريدين أنتِ أن تكون" ... “ ¿ كم هي الساعة الآن ”
لقد ابتسمتُ من جواب الممرض وغصتُ في تأمل عميق عن الزمان ... استعدت اللحظات التي كنا نتذمّر فيها بأن الوقت لا يكفينا للعمل ... استعدت اللحظات التي كنا نتمنى فيها ... بأن يطول اليوم إلى أكثر من أربع وعشرين ساعة ... على فراش المرض ... الوقت يتوقف ... وعقارب الساعة تتحرك بخجل ... وكأن هناك من يراقبها ... فكل ساعة تمر... تعادل شهراً ... أو كما يقول أبو العلاء المعري : " ساعة الرحيل تعادل العمر كله " .

في هذه اللحظات التي نفقد فيها معنى الزمان ... تبقى الصلاة هي الوحيدة التي تعطي معنىً للزمان والمكان ... الصلاة هي حضور الله الذي ينظر إلينا وننظر إليه ... نتحدث معه ويصغي إلينا ... لقد انتابني شعور بأن الزمان لن ينتهي مع الله ... وأكثر من ذلك ... هو شعوري بأن الزمان يأخذ معناه الحقيقي بحضرة الله ... ومن هنا كنت أردّد الصلوات بكل اللغات ولا سيما اللغة السريانية لغة السيد المسيح ... أجل كنت أشعربأنها اللغة المحببة إلى قلب يسوع ... إنه تفكيرٌ طفولي ... ولكن الإنسان في هذه اللحظات يعود إلى عالم الطفولة ... فيتصرف كالطفل ويتحدث كالطفل ويحتاج إلى أمٍ تغنجه وتدللة وتدلعه كالطفل .

انتقلت من مشفى إلى مشفى آخر... حيث الإقامة أكثر راحة والجناح جميل ... هو أشبه بشقة صغيرة مكونة من غرفة نوم واسعة وصالون مع براد وبلاكين لإحتساء المتة والدخان لمن يريد ... يطل على مناظر خلابة ... وتنفست الصعداء ... والتف حولي الأصدقاء من الصباح وحتى العاشرة ليلاً ... وما كدت أدخل إلى هذا العالم الجديد المريح ... وإذا بزائرة جديدة تُطلُّ عليَّ فجاةً ... إنها الحمة ... البردية ... زائرتي مزعجة لا بل أكثر من مزعجة ... فكانت تفرض عليَّ أن أُخرج ألحاناً متنوعة ومتعددة من أنين ٍ وآهات لأرقص على نغماتها في فراشي ويسرع الكهنة لإستدعاء الأطباء ... ولا تكاد تغادرني حتى تعود وأعود من جديد إلى الرقص ... وأنا ما تعودت الرقص في كل حياتي .

ما أصعبها لحظات عندما تنتظر زائرة لا ترغب فيها ... وعندما عجز الأطباء عن طرد هذه الزائرة الجديدة ... أعادوني إلى زنزانة العيادة المشددة ... وما أدراك ما هي العناية المشددة ... مجموعة من المرضى بجوار بعضهم البعض ... هذا يأن وذاك يصرخ وآخريشن حربا على الممرضات بصوته العالي ... وفي هذا الجو عشت من جديد ثلاثة أيام .

أعادوني إلى غرفتي وما كدت أستطيع أن أتعافى قليلاً حتى أخبروني بأن هناك قسطرة يتبعها غسيل كليتين لطرح المواد التي تستعمل في القسطرة ... وتمت هذه العمليات وعدت من جديد إلى العناية المشددة ليومين ... بعدها استعدت قوتي ... وبدأ الأمل يضحك لي بأني سأعود إلى الذين أحببتهم من كل قلبي ... لأعيش معهم رسالة المحبة التي كرّست نفسي لها ... لأعيش معهم الإيمان الواعي والناضج والمنفتح ... لأعيش معهم الإيمان الذي يقبل ولا يرفض ... الإيمان الذي يغفر ولا يحكم ... الإيمان الذي يحب ولا يكره ...

هذا هو إيماني الذي يساعدني لأن ألمُسَ حضور الله في كل إنسان في هذا العالم بغض النظر عن إنتمائه المذهبي والقومي ... ولاسيما ذوي الإرادة الطيبة الذين لا ينتمون إلى دين ولا إلى قومية ولا إلى وطن ... إنهم لا يعملون إلا للخير وكرامة الإنسان ... ولا يسعون إلا إلى المحبة والسلام في هذا العالم .

أجدّدُ محبتي وشكري وبركة الله تشمل الجميع .

* مارتيوفيلوس جورج كساب *
رد مع اقتباس

Sponsored Links