منتديات زيدل

منتديات زيدل (http://www.zaidal.com/229/index.php)
-   القصص و الروايات المميزة (http://www.zaidal.com/229/forumdisplay.php?f=51)
-   -   الصلح سيّد الأحكام (http://www.zaidal.com/229/showthread.php?t=18124)

سليمان رحّال 16th March 2015 10:48 AM

الصلح سيّد الأحكام
 
( الصلح سيّد الأحكام )
في مرحلة العواطف المتأججة المشبوبة ، وتقديس ما يسمونهُ الحبّ ، ينضوي الشاب والصبية تحت غلبة المشاعر المغناطيسية اللاقطة ، الجاذبة بقوّة ، فيصلّون في محرابها ويضحّون من أجلها بالغالي والنفيس بكلِ طاعةٍ واستسلام ، والفتاة في مجتمعاتنا تنشأُ على مجموعةٍ من القيود الخانقة ، أبرزها الخجل والاستحياء ، فتراها عاجزةً عن التصريح بمكنونات صدرها ، ومحجمةً عن المطالبة بأبسط حقوقها الإنسانية ، لهذا يغلب أن تتسلل إلى عالم الحب خلسةً، فيدهشها بريقهُ وتحس بقيمتها الانسانية وتسعى حريصةً على البقاء في هذا الربيع الفتان ، وعليهِ فحينما تقتنصُ فارس أحلامها ، تحاول المحافظة عليه بكلّ ما لديها من قوّة ، ويكون من الصعبِ على هذا الفارس الذي يقعُ في الشبكة ، التخلّص من جاذبيتها .
وغادة واحدة منهنّ ، أحبت فارس أحلامها من خلال لقاءات الأخويّة الدينية ونشاطاتها المختلفة، وتوطدت العلاقة بينهما على نارٍ هادئةٍ ، فتبادلا العواطف الجياشة ، وتقاسما الأحلام الليلكية ، وتشاركا في بناء المستقبل المفترض ، وأخيراً تعاهدا على الزواج ، ولكن حساب القرايا لم ينطبق على حساب السرايا ، فحينما علم أبوها بالأمرِ ، جنّ جنونهُ ورفض الفكرة رفضاُ قاطعاً ، ولم تفلح معهُ جميع المحاولات التي بُذلت ، وهددها أنهُ سيتبرأُ منها إن هي تابعت هذهِ العلاقة غير المرغوبة ، والغريب بالأمر ، هو أنّ حبيبها عامر أسرّ إليها ، بموقف والدهُ الذي رفض هو الآخر بنفس التشدد الذي تبناهُ والدها .. وحينذاك دخلَ الحلمُ مرحلةً صعبةً ، حارَ الاثنان بشأنها وكيفية الخروج منها بسلام .
في إحدى اللقاءات المتيسرة ، تجرأ عامر وطرحَ على محبوبتهِ فكرة الخروج على الطاعة وإتمام الزواج في مكانٍ ما ، وفرض الأمر الواقع على الوالدين ، وبعد ذلك لابدّ من وجود حل للأمور ، لكنّ غادة أجلت الفكرة ، متفائلةً بأنّ خالها قد يسعفهما بحلٍّ إذا حاول مع والدها الذي يحبّهُ ويقدرهُ ، ولهذا قصدتهُ ليقوم بالمهمة ، ولم يتخلف الخال في إداءِ ما عليه ، خصوصاً بعد أن أسرّت له الأم بموافقتها ، لكنّ المساعي جميعُها باءت بالفشل ، ووقعت المسكينة في صراعٍ مريرٍ بين مشاعرها تجاه عامر الذي تحبّه ، وعوطف التربية والوفاء لوالدها الذي تكن لهُ أنبل العواطف ، وعلى رأسها العرفان بالجميل ، إلى جانب الخوف من ألسنة الناس التي لا ترحم، وبعد مدٍّ وجزر جرفتها موجة الحبّ ، وعقدت النيّة على تخطي عتبة التقاليد وكان ما كان .
تزوج عامر وغادة بهذهِ الطريقة التي استنكرها كلٍ من الوالدين ، واستقبلها الناس بالسخرية والنميمة ، وحلّ الخبرُ صاعقة على أبي غادة ، الذي استبدّ بهِ الغضب ، وأقسم الأيمان على أنّ هذهِ البنت قد خرجت من حياتهِ مادام بصدرهِ أنفاسٌ تصعد وتهبط ، وعجزت زوجتهُ عن تهدئة ثورتهِ ، بالرغم من لعبها على وتر عاطفتهِ الأبوية ، واشتعلت نارهُ من جديد لتكرار هذهِ الصدفة ذات الحظ العاثر ، وعاد بذاكرتهِ إلى أيام شبابهِ الأولى يومَ أقدم أبو عامر على خطف خطيبتهِ في أيام العرس ، وهاهوذا عامر أبنهُ يختطف غادة اليوم ،ليعيد سيرة أبيهِ الصبيانية . إنّه أمر لا يحتمل ، يا للمصيبة التعساء ..من أين لهُ أن يتحمّل كل ذلك الغبن ومرجل الحقد يغلي في داخله ؟ ..ولم يجد أمامهُ إلاّ الاعتزال في منزلهِ ليعالج جراحه الدامية . كانت أمّ غادة تحسّ بآلامه وتحاول التخفيف عنه، لكنّها بنفس الوقت تتقهقر أمام عاطفة الأمومة الجامحة ، فكان همّها الأول الاطمئنان على ابنتها وتتبع أخبارها ، حتّى أنها قامت بزيارتها في مكان وجودها سرّاً ، وضمّتها إلى صدرها بحنان الأم ، وضمدت جراحها المفتوحة ووعدت بمحاولة إصلاح ما انكسر إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولكنّ كل ذلك لم يشفِ جراح غادة التي عاودتها ذكريات طفولتها ، وحنان أبيها الذي كان يدللها مع أختيها الصغيرتين ، ويلبي كل رغائبهنّ بكل رضا وطواعية ، فكانت من خلال عملتها هذه ترزح تحت وطأة لومها لنفسها ، وشعورها بالذنب تجاه والدها المسكين . وكان عامر يحاول دائماً إخراجها من أفكارها وإزالة آلامها ، فيبادرها بعواطفهِ الفياضة ، ويسمعها كلماتهِ الحلوّة التي تنسيها بعض ما تعانيهِ من آلام .
وبسبٍ من تلك الظروف الصعبة ، مرض أبو غادة وبدأت حالته تسوء ، مما أوقع أم غادة بين نارين ، كان لابدّ لها من إطفاء أحدهما على الأقلّ ، فذهبت خلسةً إلى أبي عامر ولعبت معهُ على وتر العاطفة الأبوّية ، حتّى تمكنت من إقناعهِ بإعادة العروسين إلى منزلهِ ، وبذلك حَلّت نصف المشكلة
هدأت مشاعر الأم ، ووجهت كل اهتمامها إلى شريكها المريض الذي عاشت معهُ على السرّاء والضرّاء ، وأوقفت نفسها رهن إشارتهِ ، مع حرصها الكامل ألاّ تذكر تلك البنت في حضرتهِ ، وإذا حصل أن ذكرتها مرّةً ، فهيَّ لم تذكرها بالخير ، وقد أدّى أسلوبها هذا إلى بعض التحسّن في حالة زوجها ، وراح الزمن يجري حتّى جاءت اللحظة الذهبية من تلقاء نفسها .
كانت تجلس مع زوجها تخفف من آلامهِ المرضيّة ، مستلهمةً بمراحم الله ، حينما رنَّ جرس باب المنزل ، ومع فتحها للباب ، بدا أمامها أبو عامر بشحمهِ ولحمهِ ، وكانت المفاجأة ، وبعد الترحيب الحار دخل المذكور وقال مبادراً :
ـ السلامُ عليكم يا أبا غادة .
نظر أبو غادة إلى ذلك الوافد غير المتوقّع ، ثمَّ غض بصرهُ دون أن ينبس ببنتِ شفة ، فتابع أبو عامر بلهجة المعتذر :
ـ معك حقّ ، لقد أسأنا إليك أنا وابني ، وها أنا الآن آتيك معتذراً ، فنحن اليوم قد أصبحنا أنسباء ، والنسابةُ تقع الدمّْ .
ويظل أبو غادة ساكتاً ، في حين تتدخّل زوجتهُ لإنقاذ الموقف ، فتشير لأبي عامر بالجلوس قائلةً :
ـ اتفضل أبو عامر ..اتفضّل ارتاح ، شرّفت المنازل .
ويجلس أبو عامر إلى جانب المريض ، وبعد لحظة سكوت يقول :
ـ إي ..كيف شايّفلي حالك اليوم يا أبا غادة ؟
ويجيب بإيماءة من رأسه ، فيتشجّع الزائر ويتابع :
ـ إنّ غادة قلقةٌ عليك ، وهي تنوي زيارتك .
لم ينطق أبو غادة بكلمة ، لكنّ عيناهُ تغرقان بالدموع ، وبعد أن يمسحهما ينظر إلى زوجتهِ ويقول
ـ اعملي قهوة يا أمّ غادة .
ـ تكرم عيونك .
قالت هذا وخرجت بتفاؤل ، وعندما عادت بالقهوّة ، بادرها أبو عامر بقولهِ
ـ ابشري يا أم غادة .
ولم تتمالك المخلوقة نفسها ، فتضع القهوة أرضاً وتزغرد .
………………………………..
من يطمح لاحترام الناس يجب ان يكون كالسنبلة المعطاءة التي تحني رأسها تواضعاً

عبد العزيز 18th March 2015 09:54 AM

قصّة جميلة وشيقة قرأتها برغبةٍ "وهي من القصص التي تحدث كثيراً في جميع المجتمعات ولكن في المجتمعات المتخلفة تكون النتائج مأساوية أحياناً "شكراً صديقي العزيز ودمت بخير "

سليمان رحّال 19th March 2015 05:46 PM

ردّ على مشاركة
 
الصديق عبدالعزيز :بعد التحيّة أشكرك على القراءة والتعليق ، دمتَ بخير ..

silva 9th May 2015 02:34 AM

قصة تنبض بمعاني سامية
ولعلها تروي ألم عميق عانت منه فتيات بالماضي القريب
و قد تكون النهاية مختلفة ولكنك بطيب احساسك ونبل مشاعرك تجاه هذه الفتاة المظلومة من حق اختيار شريك حياتها كانت نهاية سعيدة شكرا

مطانيوس ع. سلامة 9th May 2015 06:04 PM

جميلة جداً القصة بحبكها وسلاستها وروعة أسلوبها وهذا الواقع ما زال مهيمناً ولكن نتائجه مهما كانت قاسية فلا تستمر لأكثر من شهر ويتم تسوية الأمور وشكراً لك

سليمان رحّال 26th May 2015 07:55 AM

ردّ على مشاركتين
 
الأخت الطيبة سيلفا :أشكركِ للمشاركة والفهم الجيد لمغزى القصّة ، أسعدتني كلماتك الرقيقة ، دمتِ بخير .
الصديق الطيّب أبو ممدوح : أشكر استحسانك للقصّة ، كما أشكر مرورك العطِر ، لقد عوّدتني دائماً على كلماتك اللطيفة ، أرجو لك كل الخير والتوّفيق


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:09 AM.

Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2021
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2021

المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص