منتديات زيدل

منتديات زيدل (http://www.zaidal.com/229/index.php)
-   القصص و الروايات المميزة (http://www.zaidal.com/229/forumdisplay.php?f=51)
-   -   طفلةُ الأرصفة (http://www.zaidal.com/229/showthread.php?t=17920)

ربى عبد الحي 11th September 2014 01:49 AM

طفلةُ الأرصفة
 

اعتدتُ دوماً رؤيتها عندَ منعطفٍ آخرَ للقهر.

وجهُها الغضٍّ البريءُ ينبضُ حزناً وجمالاً، وملامحَها الطفوليّةُ تسافرُ خلفَ نَظَراتٍِ تائِهةٍ شريدة، تضمُّ إلى صدرها طفلاً رضيعاً وهي تتقاسمُ صلابة الأرصفةِ مع مجموعةٍ أخرى من الأطفال، الّذين امتهنوا التسلَّلَ من عتمةِ زواريبِ الفقر، ليفترشوا مفارقَ دروبنا، فينفضحُ في سطوعِ ضوئها العريَّ المفرِطَ لطفولتهم، والكِسوةُ الباذِخَةُ لحياتنا.

أيديهمُ الصغيرةُ الممتدةِ بالدعاءِ أحياناً، وبعلبٍ رخيصةٍ للعلكةِ أو المحارم أحياناً أخرى، لطالما أيقظتِ الحزنِ في أعماقِنا، ونحن نراقبهم من خلفِ أسوارِ عوالمنا المحاذيةِ لبؤسهم.

في توقّفٍ ضوئيٍّ أحمر، تسرّبت يدها الرقيقةُ عبرَ شبّاكِ سيارتي، واحتضنتْ يدُها الأخرى الطّفلَ الرضيعَ، فأسرعتُ لأغتنمَ الفرصةَ وأُلقي بأسئلتي المتزاحمةِ أمامَ حزنها:
- أينَ أهلكِ يا صغيرة؟ لماذا لا يعملونَ بدلاً من ترككِ أنتِ وأخاكِ تتسوّلانَ على هذهِ الأرصفة؟
كنت أودُّ أن أتابعَ، فأعرضُ أن أشتري لها أيَّ شيءٍ يؤكلُ، واعتذرُ وأنا أشرحُ لطفولتها بأنني لن أعطيها المال، كي لا أشجّعَ البالغين الّذينَ يستخدمونها على استغلالها وإبقائها في الشّارعِ أكثر.
لكنها اعترضت تدفّقَ كلماتي لتقولَ بحرقة:
- هذا ابني وليسَ أخي، وما من أهلٍ لديهِ ليعمَلوا ويطعموهُ سوايَ.

انطلقَ الأخضرُ، فابتعدت وهي تغلقُ محادثتنا بنظرةٍ موجعةٍ يتدفَّقُ منها العتبُ والكبرياءُ المهزوم، ولسانُ عينيها يقول "وكيفَ لمنْ تجلسُ خلفَ مقودِ سيّارةٍ مثلكِ أن تدركَ كمْ يمكنُ للحياةِ أن تكونَ قاسيةً على منْ همُ مثلي."

مشاعري المصدومةُ المضطربةُ أعادتني إليها عندَ المنعطفِ الأوّلِ للطريق، لكنّها لمْ تكنْ هناكَ كما لمْ تكنْ هناكَ بعدَ ذلكَ أبداً.
الأطفالُ الآخرونَ أخبروني، بأنها يتيمةٌ من قريةٍ بعيدةٍ في الشمال، وأنَّ أرملةَ أبيها أرادتِ التخلّصَ منها، فزَوّجتها عندما كانت في الثانيةِ عشرَ من العمرِ لرجلٍ بعمرِ والِدها، أتى بها إلى هذهِ المدينة، ورماها إلى وحشةِ الطريقِ ما أن علمَ بحملِها.

أردتُ بشدّةٍ أن أستسمحَ حزنها، أردتُ بشدّةٍ أن أخبرها بأنَّ عيّنيها على حق، فما من أحدٍ يدرِكُ حجمَ وجعَ القهرِ إلا من يحترقُ بناره، ولكن فلتسمح لي على الأقلِ أن أحاول.

لكنّها اختفتْ أبداً، وتركتْ لي نظرَتَها الّتي لا تزالُ تحفرً سراديباً للحزنَ في حنايا روحي.
ولا زالتُ ملامِحها الغضّة تُطالِعُني في وجهِ كلِّ طفلةٍ لاجئةٍ تباعُ بعقودٍ شرعيّةٍ موقّعةٍ بشهادةِ الجوعُ والحرب.
ولا زلتُ أنا، ابحثُ بسذاجةٍ عبثيٍّةٍ عن عينيها الحزينتينِ كعينيّ وطني، لأعتذرَ أمامهما عن عجزي وضعفي وقلّةِ حيلتي في حضرَةِ هذا الكمَّ الهائلِ منَ الفجائع.

سالم عبد العزيز 11th September 2014 09:27 PM

يا ربى

وين كنت مودرة

قلتيلي انك حساسة

لكن انت كتلة او جبل من الاحاسيس

الحقيقة انا قارىء عتيق والموضوع مطروق نوعا ما

ولكن الشهادة لله :بدأت القراءة وكأنني اشرب

كأساً من النبيذ اي تتذوق الحلاوة وينتشي عقلك

سرد انسيابي سلس لغة انيقة جداً

خبكة متينة ومفردات منتقاة بدقة

وللمرة الثانية اقول لك انك اقتعتني بأنها قصة واقعية

جارية معك يومً ما


تشويق واحداث متسلسلة قي خدمة النص

ولو انك قيّدت البطلة قليلا لتتكلم عن معاناتها

ارجو ان تقبلي كل التقدير والاحترام

وتقبلي ايضا تهنئتي على نيلك ثقة اكبر ادباء الوطن العربي

والى الأمام

ربى عبد الحي 12th September 2014 10:22 AM

العزيز سالم
ما من كلماتٍ تسعفني لاعبر لك عن امتناني لكل الدعم والتشجيع الذي تقدمه لي
كم يحتاج الأنسان لاشخاص ايجابين ومشجعين في محيطه مثلك ليتابع مشواره وخياره بحماس واندفاع
شكرااا وشكراً من جديد

سالم عبد العزيز 13th September 2014 02:08 AM

هذا أقلّ ما يجب
ان نقول الحق

لا داعي للشكر

نحن من يجب ان نشكرك على الجهد العظيم والموهبة الكبيرة

angel 13th September 2014 11:27 PM

صديقتي العزيزة ربى
كلماتك نقلت الوجع بأمانة حتى أصابنا في الصميم, وشعورك بالأسى والأسف انتقل إلينا بالعدوى وشعرنا كلنا بالذنب والمسؤولية, و إن دل ذلك على شيء فهو يدل على أسلوبك المتقن وبراعتك في تصوير المشاهد بالحروف حتى أصبحت مرئية لنا.
إلى المزيد من الإبداع والتألق

ربى عبد الحي 14th September 2014 11:12 PM


عزيزتي أنجيل شكرااا لمرورك الجميل وكلماتك الأجمل

ولكن من أشد منك قدرة على تحويل الصور والاحداث إلى حروف نابضة

يسعدني كل ماأقرأه لك وارجو لك التالق الدائم والمستمر

مطانيوس ع. سلامة 30th September 2014 07:54 PM

أجل يا سيدتي وكما تقولين //عينيها الحزينتينِ كعينيّ وطني //
فما أكثر العيون التي تذرف الدموع في وطني وما أكثر القلوب الجريحة التي تصدر الآهات وكلها تشكل عيون وطني الجريح والحزين والذي آهاته ودموعه تزداد كل يوم وما لنا إلا اللجوء إلى الله تعالى ليكف هذا البلاء ويرفع تلك الغيمة السوداء عن سمائه ويعود الوطن الأجمل بين الأوطان .
ما أجمل شعورك البعيد عن التكلف , الوطني الصادق , وما أجمل روعة التعبير وحسن الأسلوب ويوجد في المجتمع ما هو أصعب من حالها أيضاً شكراً لك .

ربى عبد الحي 4th October 2014 12:18 AM

العم أبو ممدوح
شكرا لمرورك العزيز
وشكرا لقراءتك المتعمقة للقصة و لإحساسك المميز بالكلمات
أحزان الطفولة ومعناتها توجعنا من قبل الحرب ولكن اي كلام يقال في حضرة ما ينال الطفولة من انتهاك واوجاع وقتل في ظل هذه الحرب الجحيمية
ليس لنا غير الدعاء أن يتوقف سيل الدماء
ونستعيد ذاك الوطن الآمن الذي عرفناه
دمت ودامت قريتنا الحبيبة بخير

سناء جلحوم 5th October 2014 11:31 PM

ربا ...

تعرضين علينا آفة إجتماعية إنسانية خطيرة ..أبدعتي كالعادة في صياغتها وإستطعتي بكل تأكيد أن تدغدغي مشاعر الحزن لدينا على أطفال الأرصفة وهم كثيرون اليوم .

الشهادة لله أنتي رائعة بكل شيء...شكرا لحضورك المميز

ربى عبد الحي 9th October 2014 01:33 AM

العزيزة سناء

حضورك دائماً هو المميز ومرورك على سطوري هو الرائع

شكرااا لقراءتك المتعمقة الحساسة للكلمات وشكرا جزيلا لتعقيبك الجميل

دومي بخير عزيزتي


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:38 PM.

Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2020
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2020

المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص