منتديات زيدل

منتديات زيدل (http://www.zaidal.com/229/index.php)
-   القصص و الروايات المميزة (http://www.zaidal.com/229/forumdisplay.php?f=51)
-   -   على دروبٍ غريبة (http://www.zaidal.com/229/showthread.php?t=18045)

ربى عبد الحي 21st December 2014 01:01 AM

على دروبٍ غريبة
 

نسماتٌ خريفيةٌ باردةٌ تعصفُ في شوارعِ المدينة، وشعورٌ خانقٌ بالقلقِ والضّياعِ يعصفُ في صدرهِ.
أحكمَ إغلاقَ معطفهِ الشّتويِّ السّميك، وحثَّ خطاهُ وهوَ يواصلُ التّنقلَ بعينينٍ مضطربتين بينَ عناوينِ اللّوحاتِ الطّرقيةِ، وبينَ عقاربِ ساعتهِ الرّافضةِ لتوسلاتهِ بالتّوقفِ ولو قليلاً عن الدّورانِ.

حسناً... يكادُ يجزمُ الآنَ بأنّهُ اختارَ النّزولَ في المحطةِ الخاطئةِ، ويكادُ يجزمُ أيضاً بأنّهُ تأخرَ عن الموعدِ الّذي عبرَ منْ أجلهِ القاراتِ، بعدَ أنْ تمَّ اختيارهُ منْ بينِ جميعِ زملاءهِ ليمثّلَ شركتهُ فيهِ تمثيلاً مشرفاً.

"لستُ سوى أحمقٍ فاشلٍ "
في أعماقهِ تعالتْ أصداءُ ذاتِ الصّوتِ السّاخطِ الّذي نجحَ دوماً أنْ يجدَ سوطاً ليجلدهُ فيهِ حتّى في أجملِ لحظاتِ نجاحهِ، وفي ذاكرتهِ تعالتْ أصداءُ تحذيراتِ والديهِ:
"نحنُ عائلةٌ لا تقبلُ الفشلَ ولا ينتمي إليها الفاشلون"
يا الله كمْ كانَ شعارُ عائلتهِ مرعباً، وكمْ أتعبهُ أنْ يُمضيَّ حياتهُ لاهثاً خلفَ نجاحٍ فصّلهُ والديّهِ على قياسهما، وطالباهُ طوالَ عمرهِ أنْ يتطاولَ ويتمدّدَ ليتناسبَ معهُ، خوفاً منْ أنْ يطردَ بركلةِ فشلٍ خارجَ أبوابِ العائلةِ.

متقوقعاً على فشلهِ، ومنكمشاً خلفَ أزرارِ معطفهِ الشَّتويّ، ومحاطاً بالإحباطِ، تابعَ خطواتهِ في الشّوارعِ الباردةِ، على الرّصيفِ المقابلِ لمحَ زوجينِ في خريفِ العمرِ يسيرانِ متشابكا الأيدي والمصيرِ ومنْ عينيّهُما يشعُّ الدّفءُ فينثرُ حولَ خطواتهما ورداً ملوّنة.
"آه... مرام ... مرام ... كمْ وَددتُ أنْ أشيخَ معك"
لم تكدْ شفتاهُ تتمتمانِ بهذه الكلماتِ حتّى شعرَ بشيءٍ حارقٍ يضغطُ على إصبعِ يده اليمنى، فمنذُ أن أجبرهُ أهلهُ على التّخلّي عن " مرام " حبيبةُ عمرهِ ورفيقةُ دربهِ الدّراسيّ لاعتباراتٍ طائفيةٍ اجتماعيةٍ، وهو مصابٌ بعاهةٍ عاطفيةٍ جعلتهُ عاجزاً عن ملاحظةِ وجودِ النساءِ فتحوَّلَ كلُّ البشرِ فجأةً في نظرهِ لجنسِ واحد.
لكنهُ وأمامَ ضغوطاتِ الأهلِّ والأقاربِ والأصدقاءِ اضطرَّ إلى الارتباطِ ب "منى "، تلكَ الفتاةِ التي منحها الجميعُ بابتهاجٍ الموافقةَ للدخول ضمنَ أسوارِ العائلةِ، ومنحها هو باستسلامٍ الموافقةَ على الاتّكاءِ على أسوارِ عزلتهِ.
بحركةٍ لا شعوريّةٍ انتزعَ خاتمَ خطبتهُ، واخفاهُ في جيبِ معطفهِ، فما من أحدٍ في هذه المدينة يعرفهُ وما من شيءٍ ليخشاهً.
شعورٌ غريبٌ بالرّاحةِ والانعتاق انتشرَ فوراً كخدرٍ لذيذٍ، بدءاً من طرفِ إصبعهِ المتحرّرِ إلى كلِّ انحاءِ جسدهِ.

توقفَ بقربِ مجموعةٍ صغيرةٍ من العازفينْ، يرتدونَ معاطفَ خفيفةً ويفترشونَ رصيفَ أحدِ الجسورِ.
"غريبٌ أمرُ سكانِ هذهِ المدينةِ ألا يشعرونُ بالبردِ"
تشبثَ بمعطفهِ أكثرَ...
"كمْ أحسدهم، فهمْ على الأقلِ مستمتعونُ، وينشرونُ بموسيقاهمُ الفرحَ، وإن كانَ ذلكَ مقابلَ حفنةٍ صغيرةٍ منَ الأموالِ"

تلمَّسَ النَّايَ الجالبَ للحظِ الّذي اعتادَ أن يحملهُ معهُ أينما اتجهَ منذُ أن كانَ في الثّانيةِ عشرَ من عمرهِ وبعدَ أن أقنعَ راعي القرية بأن يمنحهُ النّايَ ويعلّمهُ العزفَ، مقابلَ أن ينوبَ عنهُ ببعضِ ساعاتِ الرّعيِ ... صفقةٌ سريّةٌ استغلّها الرّاعي يومها لأبعدِ الحدودِ، ووافقَ هو عليها بطيبِ خاطرٍ، فآخرُ شيءٍ كانَ يمكنُ أن يسمحَ بهِ والديهِ حينذاكَ أن يهدرَ وقتهُ في تعلمِ الموسيقا الّتي كانتْ ولازالتْ شغفهُ الأول.
توقفَ تماماً عن التّحديقِ المتوترِ بساعتهِ، فلم يعدْ ليدركَ كمْ منْ الوقتِ مرَّ وهو يقفُ شارداً ومستمتعاً بموسيقاهم.

فجأةً لم تعدْ المدينةُ غريبةً.
شعورٌ مباغتٌ بالانتماءِ لضياعِها تفجّرَ في اعماقهِ، توحّدَ فجأةً مع الطّرقاتِ مع الأبنيةِ، توحّدِ حتّى مع النّسائمِ الخريفيّةِ الباردةِ، ولم يعدْ يشعرُ بالبرد.
خلعَ معطفهُ ومنحهُ لرجلٍ متشرّدٍ عابرٍ.
افترشَ الرّصيفَ وراحَ يعزفُ النّايَ علناً للمرةِ الأولى

Elie Swed 21st December 2014 08:52 AM

شكراً لك سيدة ربى طرح الفكرة :
 
كثيرة هي المشاكل العائلية التي تسيطر على نمط الحياة المستقبلية للولد والبنت حينما يكون لوالديهما كل الخيارات التي يفرضاها عليهما فرضاً دون أن يكون للولد أو البنت خياراً فيما يريداه, وهذه الخيارات ليست بالضرورة أن تكون سبباً للفشل فيما يُختار لهما وإنما أكيد هي حسرة عمر تبقى تلازمهما طوال حياتهما وسيبقى القيد يلف حياتهما فيما أُختيرَ لهما.

من وجهة نظري هذا أراه ضعفاً في التربية وخوفاً يلازم الأهل قبل الأبناء, من المستقبل والقول الذي نتبناه و تبناه الأباء قبلنا .. (( نحب لأولادنا الأفضل )) , ولكن قياساً ما هو الأفضل ..؟؟!! سيبقى هذا السؤال يراودنا ما حيينا, دون أن نرى له جواباً إلا في حالة واحدة هي ترك الخيار للأبناء .. طبعا وذلك بعد أعطاءنا لهم التوجيه الدقيق ووضعهم أمام الأفضل وتركهم يختارون . شكراً سيدة رُبى قد أتيتِ بالأفضل لتوجيه الأمر نحو الصواب .. ( بأسلوب أدبي محبب ) أتمنى لك النجاح الدائم فيما تسرين به من قصص تتضّمن أمور الحياة .

ماجد سطّاح 21st December 2014 09:16 AM

أبدعت سيّدة ربى ...............................................

مطانيوس ع. سلامة 21st December 2014 07:08 PM

سيدتي الغالية ربى : أبدعت وصوبت كبندقية الصياد على الهدف وهذه حال الأبناء مع الأهل دائماً , فالأهل يريدون للأبناء أن يكونوا الأفضل في التعليم , في السلوك الحياتي , في اختيار المهارات وهذا ليس خطأ ويتعارض أحياناً مع رغبات الشخص وكم من الطلبة الذين سافروا إلى خارج القطر عادوا بدون نجاح وكان الفشل سبيلهم ورغم كل ذلك يبقى رأي الأهل مع الخبرة الحياتية لهم أكثر ادراكاً من جيل الشباب الغض ,
جاءت الجمل والعبارات الأدبية وكأنها الرسم بالكلمات ومع أجمل اللوحات التعبيرية الرائعة وشكراً لك .

ربى عبد الحي 24th December 2014 02:01 AM

السيد حبيب العمر و الدكتور ماجد سطاح و العم ابو ممدوح ...شكراً جزيلااا لمروركم العطر على سطوري و لتفاعلكم الجميل مع القصة ... كم اسعدني أنها نالت اعجابكم

وكل عام وانتم بألف خير

silva 1st January 2015 11:23 PM

رائعة من فنانة تبدع بصياغة الحرف كما تشاء ولعلك تبعثي فينا احساس عاليا بالمسؤولية تجاه الأحداث التي تفضلت بها يا متميزة بكل المراحل شكرا

عبد العزيز 2nd January 2015 05:56 PM

على دروب الضياع
 
مرحبا ربى :لأوّل مرّة أطرح رأيي في إحدى مشاركاتكِ واسمحي لي أن أكون صريحاًُ كعادتي لأنّي لا أحب المجاملات ,أكثر ما يعجبني في مشاركاتك هو الأسلوب الأدبي وصياغة الجمل بأسلوب أدبي رائع " ولكن نحن الجيل القديم تعودنا على قراء القصص السهلة السرد والسهلة الفهم دون أية ترميز أو غموض " ولكِ منّي كلّ التحيّة وشكراً لمشاركاتكِ الجميلة والتي تلقى إقبالاً جيّداً من القرّاء "

ربى عبد الحي 13th January 2015 01:38 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة silva (المشاركة 63798)
رائعة من فنانة تبدع بصياغة الحرف كما تشاء ولعلك تبعثي فينا احساس عاليا بالمسؤولية تجاه الأحداث التي تفضلت بها يا متميزة بكل المراحل شكرا

مرورك المشجع دائما وسام على صدر سطوري
شكرا من القلب
كل الود والتقدير

ربى عبد الحي 13th January 2015 01:50 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العزيز (المشاركة 63803)
مرحبا ربى :لأوّل مرّة أطرح رأيي في إحدى مشاركاتكِ واسمحي لي أن أكون صريحاًُ كعادتي لأنّي لا أحب المجاملات ,أكثر ما يعجبني في مشاركاتك هو الأسلوب الأدبي وصياغة الجمل بأسلوب أدبي رائع " ولكن نحن الجيل القديم تعودنا على قراء القصص السهلة السرد والسهلة الفهم دون أية ترميز أو غموض " ولكِ منّي كلّ التحيّة وشكراً لمشاركاتكِ الجميلة والتي تلقى إقبالاً جيّداً من القرّاء "

الإستاذ عبد العزيز تسعدني متابعتك لمقلاتي وارجو ان لا تتردد ابدا بطرح رايك وارحب دائما بالنقد فأنا لازلت في اول الطريق واحلامي كبيرة واتمنى ان استعين بملاحظاتكم لكي اتمكن من تطوير كتاباتي
انا أوافقك و ألاحظ ميل اغلب القراء بكل الاجيال لقراءة القصص السلسلة المشوقة وكنت اعتقدت بأني في هذه القصة قد ابتعدت قليلا عن الاسلوب الادبي المفرط بالتشابيه والاستعارات ولست ادري إلى اي مدى قد نجحت في هذه المحاولة

شكرااا لمرورك وكل الود والتقدير

سناء جلحوم 20th January 2015 01:19 PM

لانقد بل رأي
 
أدبيا أنتي رائعة فأنا لا أعلم بجد كيف تستطعين حبك القصة بهذه الطريقة الممتازة ...

ربى لاتعليق على قصتك الإجتماعية الرائعة ولكن أود دعم العزيز حبيب العمر فيما أتى عليه ولي أيضاأ مأخذ على بطل القصة :

إنه شخص ضعيف الشخصية وضعف الشخصية سبب في تحطيم شخصية الإنسان .

:ohhh2::ohhh2:

ألا تري معي ذلك ؟؟؟


بكل الأجوال القصة ممتعة وحملت لنا أكثر من هدف أهمه أن في حرية إختياراتنا الشخصية سعادة لايعلوا عليها أي سعادة


شكرا ربى شكرا شكرا ومن حكاياتكي نستفيد



جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:29 PM.

Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2020
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2020

المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص