Pages: 1
عندما تفقد الكتابة غوايتها
(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )
Posted by: الأصيل
لم أكن أدري من أين يتسرب إلي هذا الشعور بالوحشة والكآبة .. عندما جلست إلى طاولتي هذا الصباح لأتلذذ بفنجان القهوة الصباحية ... مسترخياً على صوت فيروز, الذي مازال يتصاعد من التلفاز دافئاً, كلحظة ربيعية وسط هذا الجو المشبع بالبرودة.
هذه اللحظات هي المفضلة لدي, أما ما تبقى من النهار, فلطالما كان سلسلة قهرية من الأحداث العبثية التي لا غاية منها, سوى أن تلفظ بعضها بعضاً ... بدءاً من ركوب السيارة إلى عملي, وانتهاءً بتعيير جهاز التلفاز, ليوقظني في الصباح على إحدى الفضائيات التي تقدم فيروز صباحاً ... اليوم فقدت متعة الصباح, ولم أجد في فنجان القهوة لذته المعتادة ... فقدت حتى هذه المتعة الوحيدة .. أمسكت بقلمي لأكتب كعادتي عندما أفقد لذة الصباح أستعيض عنها بغواية القلم .. فوجدت أن أقلامي وأوراقي ... ورفوف المكتبة المتواضعة بدت غريبة عني ... كأنني أراها للمرة الأولى .. كأنها من عالم آخر ... أو ربما كنت أنا من خارج هذا الزحام البشري وهذه المنظومات العفنة .. تأملت شاشة التلفاز التي تصدح في مربعها فيروز وعادت إلي مشاهد الليلة الفائتة القصف والقتل والدمار.. والصداع الشديد الذي أثارته في رأسي .. صار لهذه الشاشة وقع المحاقن الطبية وهي تنغرز في الدماغ ..
سألت نفسي سابقاً عن سبب تفضيلي لهذه اللحظات دون سواها .. اليوم وجدت بعد تفكير ملي .. أن السبب يكمن في أن هذه اللحظات هي الأوقات الوحيدة التي أقضيها غير قادر على التفكير بشيء أبداً ... فقط متعة فيروز وفنجان القهوة ... مصحوبين بخدر لذيذ , يبدأ من صدغي ويتسرب إلى خلف عنقي لينتشر منه ممتدا إلى ظهري وذراعي ليصل حتى رؤوس الأصابع.
بينما هذا الصباح جاء مسربلاً بصداع الليلة الفائتة .. وأفكار الليلة الفائتة ..
نعم ... سر هذه الوحشة والكآبة يكمن في أرق وأفكار الليلة الفائتة .. أو لأقول أنها بسبب عقم أفكار الليلة الفائتة .. عندما اكتشفت حجم الخراب الذي استشرى في نفسي في اللحظة التي أمسكت جهاز التحكم –على إثر الصداع الشديد- وتصفحت القنوات الفضائية لأبحث عن قناة لا تبث الصداع .. رغم ذلك لم أتمكن من كبحه .. صار الصداع ذاتي المنشأ يفرزه العقل كناتج طبيعي للتفكير .. والتفكير في حالتي هذه كان حول من يتحمل مسؤولية هذه الهمجية .. هل هي إسرائيل ؟؟ أم تلك الدول الاستعمارية الكافرة ؟؟ أم الحكومات العربية ؟؟ أم هذه الجماهير العريضة المؤمنة التي تأبى الضيم والذل .. هذه الجماهير التي تتغنى بتاريخها المجيد وحضارتها التي جابت الآفاق وتغلغلت في عقول مليار ونصف المليار من سكان الأرض ..
في حين أن الغرب لا زال يناقش القضايا التي تهم البشرية وترتقي بها كالعلوم المادية والإجتماعية وأصلح الأنظمة لحياة الإنسان ، ومعاني العدل والحرية ، وأسس الأمن الوطني ، وحقوق المرأة ... لا يزال هذا الشعب يسكنه هاجس الانتصار للإسلام ضد اللادينية والإلحاد وقوانين المجتمع المدني وحتى بقية الأديان السماوية .. مشغولين باثبات الله موجود .. لا زلنا مشغولين بعقائد تتصارع منذ آلاف السنين ، ولا زالت تتصارع حتى يومنا هذا .. جمدت عقولنا عند هذا الصراع ولم تقدم لنفسها أو لمجتمعاتها أي تقدم ولا حتى على مستوى حياة تتحقق فيها الحدود الدنيا من العيش الكريم ... والمذل في الأمر أننا نعرف معرفة يقينية .. أننا كبشر .. نقف على العتبة الأخيرة في سلم المخلوقات التي تحتفظ بكرامة وجودها ... وأننا في أكثر التوصيفات تفاؤلاً .. لا نزال مبتدئين في هذه الحياة ...
قال هنترميد " وهكذا فإن المبتدئين ، سواء كانوا من الواثقين أم من غير الواثقين بأنفسهم ، يكتشفون عادة أنهم ليسوا وحيدين في تفكيرهم ، إذ أنهم سرعان ما يعلمون أنه لا جديد – إلا القليل جداً – تحت شمس الفلسفة ولابد أن تمر بالمرء لحظة هائلة ، قد تملكه فيها فرحة طاغية ، أو خيبة أمل عميقة عندما يكتشف أنه شريك في الفكر لأفلاطون ، أوباركلي ، أواسبينيوزا "
متى ستتملكنا خيبة الأمل هذه لنلتفت إلى ما هو جديد ومجد لأنفسنا وأوطاننا .. متى سندرك أن بناء الأوطان القادرة على الاستمرار في هذا العالم الرقمي والمتعصب للعلم لا نصل إليه بالدفاع عن وجود الله أو نبوة محمد أو ربوبية يسوع ...
لا أحد يشك أن العقل هو وسيلتنا الوحيدة للوصول للحقائق الفكرية ... وأنه لا يمكن قبول أي تبرير أو تفسير لحدث ما بدون دليل عقلي واضح .. فمتى سنضع كل مبادئنا وأولوياتنا الرئيسة في ميزان عقلي عادل وموضوعي ؟؟ ...
متى سندرك أننا جميعاً نتحمل هذه المسؤولية ؟؟؟؟؟
تحياتي ...

موقع زيدل سوريا حمص
..
خدمات تشات و
دردشة ...
أرشيف المنتدى
vBulletin Copyright ©2000 - 2009,
Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2009
- Created by Stefan "Xenon" Kaeser