Pages: 1

عرش الورد

(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )


Posted by: fm1976

عرشُ الورد



كانت جَلوَةُ العروس كأنها تصنيفٌ من حُلم , توافََتْ عليه أخيلة السعادة فأبدعت إبداعها فيه , حتى إذا اتَّسق وتمّ , نقلته السعادةُ إلى الحياة في يوم من أيامها الفرْدةِ التي لا يتفق منها في العمر الطويل إلا العددُ القليل , لتحقّق للحيّ وجود حياته بسحرها وجمالها , وتعطيه فيما يُنسى ما لا يُنسى .




خرج الحُلُم السعيدُ من تحت النوم إلى اليقظة , وبرز من الخيال إلى العين , وتمثّلَ قصيدةََ بارعةً جعلت كل ما في المكان يحيا حياةَ الشعر ,



فالأنوارُ نِساء , والنساء أنوار , والأزهار أنوار ونساء ,


والموسيقى بين ذلك تتمّم من كل شيء معناه , والمكانُ وما فيه , وزْن في وزن , ونغم في نغم , وسحرٌ في سحر .



* * * * *




ورأيتُ كأنما سُحرتْ قطعةٌ من سماء الليل , فيها دارةُ القمر , وفيها نثرةٌ من النجوم الزُّهر , فنزلت فحلّت في الدار , يتوضَّحنْ ويأتلقن من الجمال والشعاع , وفي حسن كل منهن مادة فجر طالع , فكنَّ نساء الجلوة وعروسها .




ورأيتُ كأنما سُحر الربيع , فاجتمع في عرش أخضر , قد رُصّع بالورد الأحمر , وأقيم في صدر البهو ليكون منصّةً للعروس , وقد نسقت الأزهار في سمائه وحواشيه على نظمين :


منهما مُفصَّل ترى فيه بين الزهرتين من اللون الواحد زهرةً تخالف لونهما ,



ومنهما مكدَّسٌ بعضُه فوق بعض , من لون متشابه أو متقارب ,


فبدا كأنه عشُّ طائر ملكيّ من طيور الجنة أبدع في نسجه وترصيعه بأشجار سقى الكوثرُ أغصانَها .




وقامت في أرض العرش تحت أقدام العروسين , ربوتان من أفانين الزهر المختلفة ألوانهُ , يحملهما خملٌ من ناعم النّسيج الأخضر على غصونه اللّدن تتهافتُ من رقتها ونعومتها .




وعُقد فوق هذا العرش تاجٌ كبيرٌ من الورد النادر , كأنما نُزع عن مفرق ملك الزمن الربيعي ,


وتنظر إليه يسطع في النور بجماله الساحر , سُطوعاً يخيّل إليك أن أشعة من الشمس التي ربَّتْ هذا الورد لا تزال عالقةً به , وتراه يزدهي جلالاً ,


كأنما أدرك أنه في موضعه رمزُ مملكة إنسانية جديدة , تألفت من عروسين كريمين .



ولاح لي مراراً أن التاج يضحك ويستحي ويتدلّل , كأنما عرف أنه وحده بين هذه الوجوه الحسان يمثل وجه الورد
---يتبع-
-----------------------




Posted by: fm1976


ونُصَّ على العرش كرسيان يتوهج لونُ الذهب فوقهما , ويكسوهما طرازٌ أخضر تلمع نضارتهُ بشراً , حتى لتحسب أنه هو أيضاً قد نالته من هذه القلوب الفرحة لمسةٌ من فرحها الحيّ .




وتدلّت على العرش قلائد المصابيح , كأنها لؤلؤٌ تخلَّق في السماء لا في البحر , فجاء من النور لا من الدُّر , وجاء نوراً من خاصّته أنه متى استضاء في جو العروس أضاء الجوَّ والقلوب جميعاً .






وأتى العروسان إلى عرش الورد , فجلسا جلسة كوكبين حدودهما النور والصفاء ,



وأقبلت العذارى يتخطَّرنَ في الحرير الأبيض كأنه من نور الصبح , ثم وقفن حافَّات حول العرش , حاملات في أيديهن طاقات من الزَّنبق , تراها عطرة بيضاء ناضرة حييَّة , كأنها عذارى مع عذارى , وكأنما يحملن في أيديهن من هذه الزنبق الغضّ معاني قلوبهنَّ الطاهرة , هذه القلوب التي كانت مع المصابيح مصابيح أخرى فيها نورُها الضاحك .




واقتعدتْ درج العرش تحت ربوتي الزَّهر ودون أقدام العروسين _طفلةٌ صغيرةٌ كالزهرة البيضاء تحملُ طفولتها , فكانت من العرش كلّه كالماسة المدلاَّة من واسطة العقد , وجعلت بوجهها للزهر كلّه تماماً وجمالاً , حتى ليظهر من دونها كأنه غضبان منزوٍ لا يريد أن يُرى .




وكان ينبعث من عينيها فيما حولها تيارٌ من أحلام الطفولة جعل المكان بمن فيه كأنه له روح طفل بغتته مسَّرة جديدة .




وكانت جالسة جلسة شعرٍ تمثل الحياة الهنيئة المبتكرة لساعتها ليس لها ماض في دنيانا .




ولو أن مبدعا افتنَّ في صنع تمثال للنية الطاهرة , وجئ به في مكانها , وأخذت هي في مكانه لتشابها وتشاكل الأمر .




وكان وجودها على العرش دعوةً للملائكة أن تحضر الزفاف وتباركه .




وكانت بصغرها الظريف الجميل تعطي لكل شي تماماً , فيرى أكبر مما هو , وأكثر مما هو في حقيقته .



كانت النقطة التي استعلنتْ في مركز الدائرة , ظهورها على صغرها هو ظهور الإحكام والوزن والانسجام في المحيط كلّه .



-----يتبع----




------------------------------------------------------




Posted by: fm1976


لا يكون السرور دائما إلا جديداً على النفس , ولا سرور للنفس إلا من جديد على حالة من أحوالها ,





فلو لم يكن في كل دينار قوة جديدةٌ غير التي في مثله لما سرّ بالمال أحد , ولا كان له الخطر الذي هو له , ولو لم يكن لكل طعام جوع يورده جديداً على المعدة لما هنأ ولا مرأ ,




ولو لم يكن الليلُ بعد نهار , والنهار بعد ليل , والفصول كلها نقيضاً على نقيضه , وشيئاً مختلفاً على شي مختلف



- لما كان في السماء والأرض جمال , ولا منظر جمال ولا إحساس بهما , والطبيعة التي لا تفلح في جعلك معها طفلاً تكون جديداً على نفسك - لن تفلح في جعلك مسروراً بها لتكون هي جديدةً عليك .





وعرش الورد كان جديداً عند نفسي على نفسي , وفي عاطفتي علي عاطفتي , ومن أيامي علي أيامي , نزل صباح يومه في قلبي بروح الشمس , وجاء مساء ليلته لقلبي بروح القمر ,



وكنت عنده كالسماء أتلألأ بأفكاري كما تتلألأ بنجومها , وقد جعلتني أمتدُّ بسروري في هذه الطبيعة كلّها , إذ قدرت على أن أعيش يوماً في نفسي ,




ورأيت وأنا في نفسي أن الفرح هو سر الطبيعة كلها , وأن كلّ ما خلق الله جمال في جمال , فإنه تعالى نورُ السموات والأرض ,




وما يجئ الظلام مع نوره , ولا يجئ الشرُّ مع أفراح الطبيعة إلا من محاولة الفكر الإنساني خلق أوهامه في الحياة , وإخراجه النفس من طبائعها , حتى أصبح الإنسان كأنما يعيش بنفس يحاول أن يصنعها صناعة , فلا يصنع إلا أن يزيغ بالنفس التي فطرها الله .





يا عجبا ! ينفر الإنسان من كلمات الاستعباد والضّعة , والذلّة , والبؤس , والهم , وأمثالها , وينكرها ويردّها , وهو مع ذلك لا يبحث لنفسه في الحياة إلا عن معانيها .



---يتبع--



------------------------------------




Posted by: fm1976

إن يوماً كيوم عرش الورد لا يكون من أربع وعشرون ساعة , بل من أربعة وعشرين فرحاً , لأنه من الأيام التي تجعل الوقت يتقدم في القلب لا في الزمن , ويكونُ با لعواطف لا بالساعات , ويتواتر على النفس بجديدها لا بقديمها .





كان الشبابُ في موكب نصره , وكانت الحياةُ في ساعة صلح مع القلوب ,




حتى اللغة نفسها لم تكن تلقي كلماتها إلا ممتلئة بالطرب والضحك والسعادة , آتية من هذه المعاني دون غيرها , مصوّرة على الوجوه إحساسها ونوازعها ,




وكلّ ذلك سحر عرش الورد , تلك الحديقة الساحرةِ المسحورة , التي كانت النسمات تأتي من الجو ترفرفُ حولها متحيرةً كأنما تتساءل :




أهذه حديقة خُلقت بطيور إنسانية ,




أم هي شجرة ورد من الجنة بمن يتفيَّان ظلَّها ويتنسَّمن شذاها من الحور ,




أم ذاك منبعٌ ورديٌّ عطريّ نورانيّ لحياة هذه الملكة الجالسة على العرش ؟





يا نسمات الليل الصافية صفاء الخير , أسأل الله أن تنبع هذه الحياةُ المقبلة في جمالها وأثرها وبركتها من مثل الورد المبهج , والعطر المنعش , والضوء المحيي ,





فإن هذه العروس المعتلية عرش الورد :




هي ابنتي . . .






منقوول


------------------------------------------------------------




موقع زيدل سوريا حمص  .. خدمات تشات و دردشة  ... أرشيف المنتدى



vBulletin Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2009 - Created by Stefan "Xenon" Kaeser