Pages: 1

حَكَمَ فعَدَلَ

(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )


Posted by: تيسير مخول

حَكَمَ فعَدَلَ
حمورابي في الأكدية هو حام - رب ويعني الحامي الأجل، الرفيع المقام، ولم يكن حمورابي اسماً لذلك الحاكم بل كان لقباً، ولعل جل أسماء حكام الشرق القديم هي ألقاب اشتهروا بها ونسي الاسم الأصلي.

حمورابي هو سادس حكّام الدولة البابلية الأولى، استلم الحكم بعد وفاة أبيه (سن - مبل)، ولم يكن في مقدور هذا الحاكم الجديد منافسة جيرانه من حوله. تصوره الأختام والنقوش البارزة، شاباً يفيض حماسة وموهبة، يحسن الانقضاض ويتقن المراوغة، لا ترده عقبات الطريق ووعورة الجبال. من أجل هذا كله لم يخسر في حياته معركة خاضها. وإذ يَجمع تحت لوائه، بحكمته التي عُرفت عنه، تلك الدويلات التي عاشت في نزاع وخصام، ويهيئ لها! حياة آمنة وادعة بما سنّ لها من قوانين تكفل العدل والمساواة. يقول في كلمات ختم بها شريعته: (إن هذه الشرائع التي جعلتُ لها دعائم ثابتة في الأرض، وأقمتُ لها حكومة صالحة طاهرة، قد عشتُ أرعاها كل حياتي، فلقد اتسع قلبي لأهل سومر وأكد، وبحكمتي ضبطتُ أحوالهم ورفعتُ الظلم والبغي، وأَمِنَ الضعيف القوي، ونال اليتامى والأرامل حقوقهم. وإني لأترك شريعتي هذه لمن يعتدوا كي يسترشدوا بها في حياتهم حتى لا يضلوا، ولسوف يذكرني الذاكرون فيقولون: حقاً إن حمورابي كان الأب الرحيم لشعبه ).
وبالطبع لم يكتب هذه الكلمات بنفسه وإنما أملاها على كتبته، وإذا كان قد قدم نفسه كرجل دولة من الطراز الرفيع، وعدَّد إنجازاته التي تجعل منه سيد بلاد الرافدين دون منازع، فإنه يزهو كرجل دولة حريص على رعاياه. وسوف نرى أنه لم يستخدم تلك المفردات لتكون خطاباً حماسياً غنياً بالألفاظ الأدبية تُمجد الحاكم وتُسبّح بحمده، وتُخلد اسمه للأجيال القادمة، كما هو متبع لدى أمثاله من الحكام.
وقد يتساءل المرء عن هذا الولع الذي جعله يدون كل أعماله بما تيسر من أدوات حفظ التاريخ في زمانه،من الرقم الطينية والنصب الحجرية، أكان يؤمن نفسه ويحرص على ذكر سيرته. من جهتي أزعم أنه لم يكن نقشاً في حجر أو حبراً على ورق، كما نقول اليوم. وإن القراءة الجادة لشخصيته تظهر أنه يمتلك إرادة حاكم صالح قد أفلح في مسعاه. والتاريخ يذكر أنه حفر قناة بين لكش والخليج العربي خفف بها من حدة الفيضان الغامر للرافدين الكبيرين دجلة والفرات. يقول في ثنايا نقش عُثر عليه: (لما كنتُ راعي سومر وأكد، حفرت قناة جرت بالماء الغزير، وأحالت شاطئيها واديين خصبين يجودان بالزرع والحَبّ، واستقى منها من لم يكن يبلغه الماء، فاجتمع الناس بعد أن كانوا مشتتين، فزرعوا واستقوا وطعموا وقرّوا وأمنوا).
وعلينا أن نذكر هنا أن شخصيته لا يمكن تقييمها بمعزل عن المؤثرات الاجتماعية القائمة في عصره، فهو قبل كل شيء نتاج هذا المجتمع الذي ساهم في تكوين هذه الشخصيته الفريدة.
ومن الأمور التي تُحسب له أن اسمه في المدونات المكتوبة كان مجرداً من أي رمز يشير إلى تأليهه، بل أصرّ على أن يكون راعياً وممثلاً للآلهة التي اختارته ليقضي بشرعها على الأرض، ويكون رسولها إلى الناس. لذا هو مسؤول أمامها عن أحوال الرعية. والملاحظ أن حمورابي كان على اطلاع بدقائق الأمور المتعلقة بشؤون موظفيه ومستخدميه في أنحاء البلاد كافة، وكانت كل القنوات تصب عنده فلا تفوته صغيرة أو كبيرة. صحيح أن حكاماً آخرين مثل (شمشي هدد الأول) حاكم آشور و(زمري ليم) حاكم ماري و(ريم سن) حاكم لارسا كانوا يهتمون شخصياً بإدارة دفة الحكم، إلا أن حمورابي كان أكثرهم نشاطاً وفعالية كما نستنتج من رسائله الكثيرة، وخاصة الأمور المتعلقة بالشؤون الاقتصادية الكبيرة. فكان يستدعي عماله لمقابلته وجهاً لوجه وغالباً ما يرافق الاستدعاء الحث على السرعة، وإذا حدث أن تباطأ المُستدعى عن المجيء، عندئذ يوجه إليه إنذاراً شديد اللهجة. وقد احتاط للأمر من كل جهاته، فكان لديه مكتب استشاري ضخم يقوم بأعباء المراسلات، ففي مدينة لارسا وحدها عُثر على ما يزيد على 150 رسالة أرسلت خلال مدة لا تتجاوز عشر سنوات. كما عُثر على رسائل عديدة في أطلال مدينة ماري. ولابد أن يكون هناك المزيد من رسائل حمورابي طوتها يد النسيان في أطلال مدن رافدية وسورية تنتظر من يكشف النقاب عنها يوما ما. وقد عرف من الكتبة اسمان طالما تكرر ذكرهما في الرسائل وهما (سن أدينام) و(شمش هازر)، فهناك ما يقارب من ستين رسالة معنونة باسم المُرسل (سن أدينام)، وهي تعالج أموراً شتى تتعلق بالعبادة والشكاوى والقضاء والضرائب وخدمة الجيش وبناء القنوات والسدود وشحن البضائع بالسفن وقضايا العمل وغير ذلك. ويبدو أن (سن ادين! ام) كان يحتل منصباً مرموقاً في القصر، إذ يخضع له عدد كبير من الموظفين الصغار، ولكننا لم نعثر على أي لقب في الرسائل، وربما لم يكن له في الأصل لقب. وعلى كل حال لم يكن في وضع يحسد عليه، إذ إن عيون الحاكم كانت تترصد حركاته ولا تدعه يفلت منها. ومن جهة أخرى كان معرضاً للتقريع والتوبيخ عند أي تقصير في تنفيذ المهام.
أما الكاتب الآخر(شمش هازر) فقد كان عمله أكثر تحديداً ووضوحاً، كما نستنتج من الرسائل التي وجهها إليه الحاكم، والتي بلغت حدود المئة. ويتضمن معظمها أموراً لها علاقة بالحقول والبساتين، مثل قياس مساحة الأرض والتأجير والسقي والاعتداء عليها دون وجه حق. وكان (شمش هازر) يتلقى تعليماته مباشرة من حمورابي، كما كان معرضاً للتقريع ولوم سيده، وكانت ترفع الشكاوى ضده إلى القصر أيضاً.
وبما أن الإنتاج الزراعي كان الهمّ الشاغل لحمورابي فقد كان يوزع الأراضي على المنتفعين بوساطة وثيقة من الطين مختومة تتضمن اسم المالك الجديد ومساحة الأرض الممنوحة له، والملاك هم من سويات اجتماعية ووظائف مختلفة، فمن بينهم ذوو رتب مختلفة في الجيش، وموظفون ماليون وقضاة وعاملون في السلك الكهنوتي وسائقو العربات المقدسة وحاملو شعار الآلهة، وصيادون يعملون لصالح معبد الآلهة، إضافة إلى موسيقيين وطباخين وصيادي طيور وسماكين وحرفيي مهن متعددة، مثل البنائين والنحاسين والصياغ وصانعي الحصر وعمال السدود والنساجين وصانعي القفف والحذاءين.هؤلاء وغيرهم كانوا يحصلون على أرض زراعية يستثمروها لقاء عملهم في مرافق الحاكم.
وفي هذا السياق نشير إلى رسالة هامة من رسائل قصر الحاكم تولي استملاك الحقول بصكوك رسمية أهمية بالغة. فقد رفع المدعو (إيلي - إيبلسم) شكوى إلى الحاكم متظلماً بسبب اغتصاب أرضه، يقول: (انتزع إيتل - بي - مردوخ الأرض التي منحها لي سيدي بموجب صك رسمي قبل أربع سنوات، وقد حُددت مساحتها بما يقارب تسعة عشر هكتاراً. ومنذ ذلك الحين يستولي على محصول الشعير، وليعلم سيدي أني رفعتُ أمري إلى سن- أدينام وأحطتُه علماً بالموضوع، ومع ذلك لم يُعد حقلي). وقد كتب حمورابي إلى سن - أدينام وشمش - هازر موجهاً وموبخاً: (إذا كان الأمر كما وصفه الراعي في لوح شكواه فليس هناك ما يزعج أكثر من هذا الأمر). ثم يُكلف قضاة القصر بدراسة قضية الراعي والتحقق من صحة شكواه وإعلامه بتقرير مفصل. وفي النهاية يأمر حمورابي بإعادة الأرض إلى المُشتكي وتقدير كمية الشعير التي سُلبت منه عنوة مدة أر بع سنوات وإعادتها إليه.
والظاهر أن المدعو إتل - بي - مردوخ كان سيئ الخلق يسيء معاملة الموظفين، فرفع هؤلاء شكوى إلى القصر، فأمر الحاكم سن - أدينام بما يلي: (طلبت منك إرساله إلى القصر ولم يصل إلى اليوم. حالما تستلم رسالتي، ابعثه إليّ دون تردد، ولينطلق مسافراً ليلاً نهاراً). إن عدم امتثال اتل - بي - مردوخ للأمر جعله مُذنباً وعليه أن يتحمل نتائج فعلته.
نحن ندرك من خلال الرسائل المكتشفة أن بعض الموظفين والمستخدمين كانوا يستدعون إلى العاصمة بابل في حالة تقصيرهم في عملهم أو لقبولهم الرشوة. كما توضح الرسالة التالية الموجهة من سن - أدينام إلى حمورابي: (حدثت رشوة وفساد في بلدة من نواحينا، والناس الذين قبلوا الرشوة والشهود الذين يعرفون الحادثة موجودون عندي لحين الطلب). وبناءً عليه طلب حمورابي التحقق من صحة الواقعة، فإذا تبين أن هناك رشوة فعلاً فعليه أن يستردّ الفضة أو غير ذلك مما أخذه المرتشون. ويرسل كل ذلك مغلفاً ومختوماً إلى القصر، وكذلك المرتشين والشهود. وهذا يعني أن الحاكم نفسه سوف يتولى معالجة القضية والبت فيها.
والجدير بالملاحظة أن حمورابي بصفته كبير القضاة كان يتولى البت في كل القضايا التي لها علاقة باقتصاد الناس، وكان يشعر بأنه الراعي لأفراد الشعب كافة. والثابت عندي أن هذا الحاكم كان على دراية بالقوانين القديمة السابقة لعصره، ومنها استمد فكرة جمع هذه القوانين في مجموعة واحدة، لتكون دستوراً عاماً يحفظ حقوق البلاد والعباد. ودارس شخصية هذا الحاكم العظيم اليوم يكتشف أن حمورابي أدرك بفطنته وتعلمه من أعوام حكمه المديدة أن الناس يحتاجون إلى الأمن والاستقرار والعدل كي يبنوا وينتجوا ويعيشوا، لذلك تعامل مع هذا الأمر بكلّ حزم وشدّة وهذا ما ظنهّّّ الدارسون الغربيون استبداداً، مع أن هناك فكرة صريحة حكمت تاريخ الشرق تقول: إن الإنسان مستخلف على هذه الأرض ولا يملكها بل هي من حقّ الراعي المستخلف على الرعية. وفكرة الراعي قديمة تعود إلى أجدادنا الأوائل في سومر. فهم حمورابي الفكرة وتمثلها في أقواله وأفعاله، فهو مستخلف ومن حقه التصرف في أمور البلاد والعباد، وأغلب من درس تاريخ الشرق من أهل الغرب، تاه عن هذه الفكرة الجوهرية.
ونحن نذهب أكثر من ذلك فقد نسمي حاكم البلاد أجيراً، فقد روى أستاذي الجليل هادي العلوي البغدادي - طيّب الله ثراه - في دراسة له عن أبي العلاء المعري هذه الواقعة (في رواية ترجع إلى صدر الإسلام عن تابعي يدعى أبو مسلم الخولاني، دخل على خليفة أموي فخاطبه بعبارة أيها الأجير، ولما استنكرها الخليفة بين له: نعم أنت أجير استأجرك رب هذا الأغنام لرعايتها). وقبل هذا النص بأكثر من ألفي عام قال حمورابي: (أنا الراعي العابد الورع والعبد الذليل، عندما استخلفتني الآلهة على الرعية نشرت العدل! وأحققت الحق وجلبت السعادة للبشر). وهكذا كتب حمورابي لبابل أن تعيش حياة رغدة لم تشهد مثلها في الأزمان القديمة إلا أغنى البلاد وأرقاها.
كان البابليون يطيلون شعر الرؤوس، يتخذ الرجال منه ضفائر يرسلونها على أكتافهم، شأن النساء، وكانوا يرسلون لحاهم جاعلين من ذلك ما يميزهم عن النساء بعد أن شابهوهنَّ في غيرها. كما كانوا يأتزرون بمآزر من الكتان الأبيض تغطي الجسم إلى القدمين، وتفارق المرأة الرجل بتركها إحدى كتفيها عارية، ويزيد الرجل، فيضع فوق المئزر دثاراً وعباءة. ومع الأيام عدلوا عن هذه المآزر البيضاء إلى أخرى مصبوغة بالحمرة عليها نقوش زرقاء، أو بالزرقة عليها نقوش حمراء، خطوط أو دوائر أو مربعات أو نقط. ولم يكونوا كالسومريين حفاة بل كانوا ينتعلون، وكانت نعالهم على أشكال جميلة أجمل من النعال التي نسميها (كلاش أو جاروخ) وينتعلها الناس اليوم في أيام الصيف الطويلة. وهكذا عمّت مظاهر الثراء، وركن الناس إلى هذا النعيم وألفوا حياة الترف واستكانوا إلى الدعة. وما إن عرف هذا عنهم جيرانهم الكاشيون، الذين كانوا ينزلون الجبال المحيطة، حتى انحدروا إلى بابل طامعين فيما بأيدي الناس من ثراء منتهزين ما انتهوا إليه من همود في ظل ذاك النعيم الواسع، والرغد العميم. كان هذا ولم يكن قد مضى على موت حمورابي غير سنين ثمان، فإذا هم يغيرون وينهبون ويخربون، وحين استلان هؤلاء الكاشيون عود البابليين هاجموهم المرة بعد المرة، حتى إذا لم يجدوا ثمة مقاومة قرّوا في البلاد حاكمين.
في الختام هل يسعني التقدم بمطالب واقتراحات علها تفيد العمل السياسي في أيامنا العجاف هذه، وعلينا أن لا نستكبر العودة إلى تجارب أوائل حكام الشرق فقد نجد عندهم ما ينقص حاضرنا، وكما يقول المثل السائر: (ماحكّ جلدك مثلُ ظفرك)، ويكون أفضل من استدعاء الغير لحك جلودنا بالحراب. على القادة في جميع جبهات الكفاح أن يدرسوا التاريخ. وهم عموماً جهلة في هذا المضمار الحيوي، والتاريخ الوحيد الذي تعرفه أغلبيتهم الساحقة هو تاريخ أوربا الحديث الذي لا يُصلح ما نحن فيه. أما تاريخنا، وعموم تاريخ الشرق، فيعرفو نه عن طريق الكتب المدرسية التي قرؤوها في شبابهم المبكر. لابدّ من استيعاب تراث منطقتنا بطريق مباشر، والعودة بذهن مفتوح إلى المصادر الكبرى لهذا التاريخ. وآمل أن يتنازل حكامنا وقادتنا فيدرسوا تجارب حكام الشرق القديمة، وما فيها من مشاعية وحرص على العدل، وحين نأتيها من هذا الباب ستكون مشروطة بتاريخيتها وستجعلنا أحراراً في معالجتها نقدياً حتى نُسهّل دمجها في منظومة وعينا المعرفي. وعندئذ قد نشطب ونعدل ونضيف كي نصل بهذه التجارب إلى الفائدة القصوى، وبذلك نوزع احترامنا وتقديرنا على بناة الوعي البشري.



النور 391 (3/6/2009)




موقع زيدل سوريا حمص  .. خدمات تشات و دردشة  ... أرشيف المنتدى



vBulletin Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2009 - Created by Stefan "Xenon" Kaeser