زملائي.. حراس السيد الوزير ... بقلم : جديع دواره ..إعداد : تيسير مخول .
بديهي ان يكون للسادة الوزراء والمحافظين حراس شخصيين، فأمن المسؤول جزء من هيبة الدولة و حمايته ضرورة عملية بوصفه شخصية عامة، لكن الوزراء في سوريا خلافا لنظرائهم في الدول الأخرى، اقل اهتماما بحراسهم الشخصيين، فأمنهم قائم ومحقق بحكم ما يتمتع به البلد عموما من امن واستقرار، ولكن بالمقابل فان جلّ اهتمامهم ينصرف لنوع أخر من "الأمن".
خلافا لكثير من الدول، الهاجس "الأمني" الأكبر لأي وزير في الخصوصية السورية يتعلق بالمعلومات، وليس المقصود تداول المعلومات المتعلقة بالحياة الشخصية للوزير أو المسؤول، فهذا نادر الحدوث في الحياة العامة السورية، ولا بمعلومات أمنية قلما يعرفونها، بل بالمعلومات المتعلقة بالتحديد بعمل وزاراتهم، بالمشاريع التي تنفذها او تلك التي تشرف عليها..الخ فيعملون على حراسة ما يمكن ان يصدر عنها أو يقال فيها أو يتسرب منها إلى وسائل الإعلام.
نصف الكأس الايجابي يجعلنا نرى في تَحَسب الوزارات، في محاولة إداراتها المختلفة صد سعي وسائل الإعلام(الرسمية والخاصة على حد سواء) لمعرفة ما يدور في الغرف المغلقة، وكبح رغبتها بفتح الإدراج والملفات التي تكره فتحها، وان كان يعتبر من حيث النتيجة امر سلبي، الا انه دليل على تعاظم دور الإعلام في الحياة العامة السورية، اعتراف بفاعلية الإعلام في رصد ومراقبة عمل تلك الوزارات والإدارات المختلفة، من خلال تسليط الأضواء على مشاريعها ومناقشة وكشف وتعرية أخطائها، لا بل كشف فساد بعض إداراتها أمام الجمهور، وهذا ما حصل خلال السنة الماضية، وكان لسيريانيوز بكل تواضع دوراً غير قليل فيه، وعلى سبيل المثال لا الحصر حدث في ملف دار زيد بن الحارثة لرعاية الأيتام، وملف الجمارك، والاتجار بالأعضاء البشرية وغيرها.
على الأرض تتجلى سياسة حماية المعلومات التي تتبعها بعض الوزارات والإدارات، بإصدار تعميم من قبل الوزير ولا يستثني منها أحداً، بدءا من المعاونين، حتى اصغر موظف، تعميم مضمونه عدم إعطاء أي معلومة أو التصريح بأي كلمة للصحافة إلا بعد موافقة الوزير شخصيا وخطيا، وإلا..
وطبعا يمتثل الجميع لهذه الأوامر، رغم أنها تناقض أكثر من تعميم صادرة عن السيد رئيس مجلس الوزراء بالذات يؤكد فيها ويحث على ضرورة تسهيل عمل الصحفيين، ولكن سلطة الوزير المباشرة على موظفيه وتماشيه مع ما اعتادوا عليه لا بل توافقه مع رغبة الكثير من المفاصل الوظيفية التي ترى ان من مصلحتها(عدم رفع الغطاء عن أعمالها) تجعلهم يتمسكون بتعميم وزيرهم، بل يسعون لوضع المزيد من العراقيل حتى بعد الحصول على موافقة من الوزير، ولدينا شواهد كثيرة على هذا ولا يسعنا المجال لذكرها.
تفكيك هذه المنظومة، حماية متبادلة بين الوزير وإداراته المختلفة تقوم على معادلة بسيطه ومعقدة بذات الوقت، مفاتحها وكلمة السر فيها هي "الكرسي"، فالوزير يستطيع ان ينقل اي موظف من دمشق إلى دير الزور على سبيل المثال، ويستطيع ان يجعل من مديرا ما موظفا اقل من عادي ويجرده من أي صلاحية(أيضا لدينا العديد من الشواهد)، وبالمقابل إن أي هفوة في أي مؤسسة تحت سلطته، قد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
في العديد من المحطات، قابلنا موظفين مستعدين لحماية المال العام، لحماية المصلحة العامة، قبل أي اعتبار لحماية الأشخاص مهما علت مراكزهم، وبالمقابل قابلنا موظفين يعرفون بواطن الأمور، يشاهدون الفساد أمامهم، لكنهم يفضلون الصمت على تزويد الصحفي بأي معلومة خشية الإضرار بموقعهم، ولقمة عيشهم.
كل ما سبق وان كان يمكن فهمه ولا يمكن تبريره، لكن ما لا يمكن فهمه ولا يمكن تبريره هو ان تتحول المكاتب الصحفية في بعض الوزارات إلى جزء من هذه المعادلة، ان يتحول صحفيو تلك المكاتب، وهم بالعشرات في كل مكتب إلى "حراس بوابه"، حراس من النوع الرديء، فيطلب بعضهم على سبيل المثال من الصحفي تقديم أسئلة مكتوبة، ليسلمه أجوبه "عامه" مكتوبة لا تسمن ولا تغني، ويحرمه حتى من رؤية تعابير وجه المتكلم، يمارس دور رقيب تجاوزه البلد وتجاوزه العصر، معتقدا ان التستر على الأخطاء هو حماية للمؤسسة، بل ان بعضهم يمارس دوره بدهاء، فيرسلك إلى موظف لتجري معه حوارا، ويتصل به قبل ان تصل مكتبه ليحذره مما سيقول، أو ليطلب منه وضع العراقيل.
فهذا ليس خروجا عن مواثيق الشرف الصحفية فقط، بل سلوك لا يقبل به أي صحفي مهني يعمل في ظل نظام إعلامي من العصر الحجري، وليس في عالم أصبح ينظر للحصول على المعلومة بوصفه من جزء من المكون الحقوقي للأفراد، في عالم أصبح فيه وجود وزاره للإعلام موضع للنقاش، فكيف بمكاتب تحولت من ناشر للمعلومة ومسهلا للحصول عليها، إلى حارس عليها، خدمة للمصالح الضيقة.