Pages: 1

ليلٌ وشخير ...!!!

(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )


Posted by: تيسير مخول

ليلٌ وشخير
كان نومه عجيباً في تلك الليلة المظلمة، والأغرب هو الشخير المتنوع النغمات في هبوطٍ وصعود وفي أوقات محدّدة. إذ يظن من يسمع هذه الموسيقا أن جرافة تهدم منزلاً في أحد أحيائنا العشوائية. كان شخيره عالياً ومتقلباً ومخيفاً، ولديه القدرة على تغيير اللحن متى يشاء بدون مقدمات أو فواصل منشطة.
بدأ الافتتاح بالصفير أولاً، وتدرّج كمفتاح صول محدثاً ما يشبه صوت تشغيل سيارة بعيدة أو مدفع (B10). وسرعان ما انقلب الصوت فجأةً إلى الشغب كما لو أنك أمام مطحنة حبوب حجرية قديمة، أو سعير حيوان يريد الانقضاض. كان التعب والأرق واضحين تماماً على وجهه. قلت في نفسي إن أحداث غزة والإرهاب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة سبّبا ذلك.
وضعت يدي برفقٍ على كتفه وهززته قليلاً لعله يصمت.. فتح عينيه فجأةً وتناول كأس الماء، وبعد لحظاتٍ تابع مواله مستغرقاً في شخرات متتالية مماثلة لصوت نشر الخشب، ومجاوباً إياها بنغمة كفقاعات هوائية في كأس ماء. ثم استراح وأطلق أنات متقطعة أحياناً وطويلة أحياناً أخرى كمن ستأتيه المنية في أية لحظة. ثم ً تحــوّل الصوت أخيراً إلـى نغمات متنــاسقة تؤلــف كلمة (فرمان بف، فرمان بف). وبقي الموال طوال الليل، علماً أنني كنت أوقظه بين الشخرة والشخرة طالباً منه الصمت أو اعتماد لحن واحد لعلني أنسجم وأنام، لكن بكل أسف لم يطابق شخيره لأية سيمفونية يمكن النوم أو مجرد أن أسترخي عليها، فبدأت أواسي نفسي بأنَّ شخيره لا يختلف عن طرطقات بائعي الغاز وأبواق بائعي المـــاء والمـازوت وكومبريسات حفـاري الطرقات ومشاريعهم اللامنتهية.
فكرت به ملياً تلك الليلة ناظراً إلى خريطة التجاعيد التي تشكل تضاريس وجهه ومراقباً تقلباتها وتبدلاتها. وكنت أظن أن الشخير ناتج عن مرض معين، لكني تذكرت كلامه قبل أن ينام إذ كان يشتكي وبألم واضح هماً حقيقياً ومشكلةً كبيرة أصبحت كهاجس مرعب يطارده، طالباً مني للمرة العشرين طرح المشكلة في الجريدة لعلها تصل إلى من بيدهم القرار !
وأن المشكله ليست في الشخير كما ستظنون بل هو ناتج عنها، فهو من موظفي الحكومة، لكنه غير مثبت في عمله. وكلمة (غير مثبت) هذه الصغيرة والبسيطة جداً هي التي ترعبه وتخيفه وتلاحقه في منامه وفي يقظته، مع العلم أنه حاصل على شهادات، وعنده كفاءات تؤهله للعمل مديراً لا موظفاً عادياً، وتمكنه من متابعة عمله بكل إخلاص وأريحية وعطاء، (علَّ وعسى) أن هذا التثبيت يغير في حياته شيئاً نحو التفاؤل، ويضمن له حقه ومستقبل عائلته ويلغي شخيره المرعب الذي وصلت قوته، على مقياس الرفض العالمي أو مقياس ريختر للزلازل إلى أعلى الدرجات، حتى أصبح أقوى من زمامير السيارات التي ترافق الوزراء جميعاً.. وإذا لم تصدقوا فجربوا النوم معه ليلةً واحدةً فقط! يرعاكم الله.





النور- 380 (11/3/2009)



موقع زيدل سوريا حمص  .. خدمات تشات و دردشة  ... أرشيف المنتدى



vBulletin Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2009 - Created by Stefan "Xenon" Kaeser