Pages: 1

هنا ....معادلة الموت فاشلة ....؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!

(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )


Posted by: samar dahi


ما غلب الموت يوما الحياة .....!!!!!!
استسلم الموت طائعاً مغلوباً منهزماً امام من عرف حق الحياة وحقيقتها .....باكياً ناحباً على نفسه فهو اضعف من أن ينهي حياة من يرفض الموت ....
هل يقترب الموت ممن احيوا النفوس الميتة ....؟؟؟؟!!!!!!!!
هل يتجرأ أن يدنو ممن اعطوا الحياة روحاً اخرى ....؟؟؟؟!!!!!!!!!!!
هل يعرف الموت من وهبوا الضالين ديناً محيياً آخر ......؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!
منصور رحباني ....أنت أقوى من الموت ....غلبته عندما عرفت كيف تعيش ولمن تعيش ..غلبته عندما صنعت حياتك وخلودك فيها ....أنت لن تمت ...كما عاصي لم يمت ....الخلود لكما في الآخرة وعلى الأرض ....
عندما تلقيت خبر وفاة منصور عادت لي ذكرى وفاة عاصي ....اذكر حينها أنني بكيته كثيراً واليوم مع منصور ابكي كما بكيت قبلاً ....ولن استوعب أن الموت يمكن أن يأخد سيدتي فيروز ...ولكن إيماني كبير أنه حتى الموت لن يغلب من صنعوا لنا الحياة .....
منصور عاصي فيروز ...خلقتم لتعيشوا .....ولن يعيش غيركم كما تعيشون ....فالموت اجبن من أن يأخذكم ...فلكم البقاء ولنا الموت .....
اليوم سنودع منصور ليلاقي وجه ربه باسما راضيا فرحا بلقاء الإله وتوأم روح عاصي وارى وجه الإله البشوش مرحبا مهللا في ملكوته بمن احيا روح الإله على الأرض ......
اذكرنا منصور عند ربنا ....
وستبقى روحك مع عاصي حاضرة دائماً
سمر




Posted by: Kinan

شو هالكلمات الحلوة يا سمر
مثل ما عم تحكي صحيح مات بس اكيد ذكرى منصور رح تكون خالدة و بقلوبنا
و اسم الاخوين رحباني ما رح ينتسى
الله يرحموا و يجعل مثواه الجنة



Posted by: fr george massis

عظة جنازة الفنّان منصور الرحباني
المطران جورج خضر

"اعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا" (يوحنا 31:6)
يقف الآن منصور الرحباني عند باب الملكوت حافيا عاريا فقيرا الى الرحمة ليجرده ربه من التراب ويسربله الحلة الذهبية. ما سافرت وحدك ملكا. امام الغنى الالهي بت ذاهلا ذاهبا عن كل ما صنعت في دنياك لان الجمال الالهي هو وحده الذي يستساغ النطق به. انت قلت أنا الغريب الآخر.
لا تنس ان المسيح يقال له في عباداتنا غريبا، ولكن اباه رفعه واعطاه اسما فوق كل اسم الآن ادعية المودعين اياك ترفعك الى جوار الرب ليستمتع بك وتتعزى انت بألفته.
ليس المقام هنا مقام الدعوة الى الرحبانية هذا شأن النقاد الذين لست انا منهم. ولكن الرحبانية لن تذوقها الا موضعا من مواضع سيادة الله والطاعة له ورفضا للظلم والعبودية وهذا الرفض يتجلى في كل العطاء الرحباني وبدقة رأى ذلك هذا المسجى في "صباح الالف الثالث". انك ستكتشف يا منصور بعد اجتيازك عتبات الملكوت ان الانبياء القدماء الذين كان لك مشكلة معهم انما سبقوا كل ثوريي التاريخ في الوقوف ضد الطغيان والتسلط.
انت تجيء من الشرق القديم اذ نهلت منه ما سكبه فيه الانجيل وتجيء من لغة العرب التي يطيب فيها الاستلذاذ كما تجيء من لبنان، من اعماق لبنان واخذت مع شقيقك من اوروبا ما اخذت وقدمتما هذا لأهلنا على طبق من ذهب اعطانا فرحا كبيرا.
انك في هذا تلقيت طراوة يسوع الناصري ورقة القديسين. هذه الطراوة الكامنة في كثير من النتاج الرحباني بدت لمن يعرف ان يسمع وسمعك العرب جميعا.
مرة كنت اتمشى في شوارع فاس تمشيا طويلا وكنت اسمع من كل محالها صوت فيروز واستغربت الامر للوهلة الاولى لحسباني ان المغاربة يتذوقون ما كان اقدم الا ان الصوت الفيروزي غزاهم. الصوت الرخيم وجه من وجوه الحضور العربي القائم على السلام.
في المشاركة الفنية التي عشتها رفضت ان تبين اسهامك الشخصي ما يعني لي ان المجد الباطل لم يغرك. كانت الموسيقى مع المسرح سعيا شئته الى الحقيقة وقد تعلمت من اليونان ان ما يسمى الجمال لا يقوم الا بالخير والحق. وليس من فكر خارج هذا الثالوث ومن لعب في غير هذا الميدان قد يبدو ساحرا ولكنه ساحر ابليسي. لقد اريق سكيب النعمة عليك لتقدم للناس ما قدمته النعمة لك حتى تصبح مع ذائقي الفن ذبيحة يتقبلها الله.
ومع اختفائك يستطيع العارفون ان يخترقوك من نواح كثيرة، ولا سيما من خلال الشعر الفصيح، الذي انسال منك.
اظن ان كل تجربة منصور في ما قاله:
ارسلت لأشهد للضعفاء.
هؤلاء سماهم الناصري اخوته الصغار. كان حق سقراطك في الكلام انه كان فقيرا. والفقير اذا تصاعد الى الله حبا يكسب مجدا من فقره ويسود العالمين. "ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه".
سوف يصطرعون حتى تزول شهوة السلطان، حتى يصبح الآخر اساسيا حتى التنفس. حتى تصير الدنيا وجوها لا اقنعة. تأخذني اخذا كليا يا منصور عندما تقول:
مرفوض هذا العدل/ وباطلة ازمنة القوة/ مرفوض فرح المغتصبين/ ربابنة القمع الآتي/ على السحب النووية.
ايها الرحابنة انتم لستم على مسافة واحدة من الظالم والمظلوم، من المضطهد والمضطهد. لعل الموسيقى عندكم بشارة وانتم تظلون على تواضع المبشرين بالوسائل التي اصطنعتموها بالكلمة، باللحن وبفنون اخرى وانتم على حياء رهيف ولذا انشدت:
وانني اهرب من/ وجهي/ وتاريخي/ وعمري.
تهرب من اناك لتحملك الملائكة امام وجه الآب والملائكة لهم موسيقى بلا صوت ولا نغم وسيلاعبونك لتشهد الاسمى. سيملأك الله من الكرم الذي لم ينزل عليك لتحس انك فقير اليه الى الابد. ستسير وراءه واذا فصحت قولي اقول ستسير فيه اذ لن يبقى عازل بين الخالق والمخلوق كما ليس من عازل بين الحبيب والحبيب.
هذه لغة الفصح يا اخي ودليل اقتناعك بالفصح انك كتبت قداسا وهممت بتلحين قداس آخر والقداس قيامة. سترتل لربك والملائكة هذا الذي اعوزك ان تلحنه. ستقوم جسما روحانيا كما يقول بولس، ممجدا كالمسيح. لقد تقت ان تكون من اهل السماء (...).
سيسمع العرب الرحابنة او يشاهدون اعمالهم ماثلة في القلوب. سنرجع يوما معا الى الحق والحرية اي ستزول جاهلية العرب وكذا اشتهيت مع عاصي سنرجع يوما الى شوارع القدس العتيقة نطلب فيها الاله الواحد ونحب فيها بعضنا بعضا. سنرجع الى غزة. ودماؤها الطاهرة تنجينا من الموت الروحي. سنضمد جراحنا المحسوسة وغير المحسوسة ويمسح الله عن عيوننا كل دمعة. اذا قلنا غزة فنحن نقول العدل.
اعرف، منصور، انك حامل معك مشاعرنا نحو الشعب المغتذي روحيا من القدس التي هي حياة من يحيا ضميره. باركك الله، منصور، تبريكا كثيرا. في هذه البركات خذ سلامنا الى روحك بعد ان هدئت من الاوجاع. سيرفع الله عنك كل غربة سكنتك ويعلنك ملكا مع الذين مجدهم في حنانه. وابقى لنا الرحابنة جيلاً بعد جيل واخوتنا الفنانين في كل اقطارنا حتى يعلنوا في ما يبدعون ملكوت المحبة.

أنا نسيتُ وجهي تركْتُهُ يسافر
بقلم: "ملحق النهار"
مَن يغلب مَن: شخص الفنان ذاته أم الفنان - الأسطورة؟ لا أعرف الحدود الفاصلة بين هذين القطبين. بين الواقع وصورته. لا أحد يعرف الحدود. الواقع يصبح أسطورة. الأسطورة تصبح واقعاً. فأيّهما نصدّق؟ لا أعرف مَن نصدّق. لا أحد يعرف. مثل هذا الموقف الملتبس يواجه المصعوق بالحبّ فلا يعود يعرف ماذا يحب ومن يحب. ويواجه المرميّ بالجنون فلا يعود يعرف المعقول من اللامعقول. ويواجه أيضاً وأيضاً الشخص المغموس بالحلم. هؤلاء الثلاثة، العاشق، والمجنون والحالم، يجتمعون في شخص واحد أحد، لوصف حال الشخص "المصاب" بـ"الفن الأسطوري" الرحباني، حيث يستحيل الفصل بين الفنان وأسطورته، بين الشخص ووهجه اللاحدود له، وبينه وبين توأمه الفني. مثل هذه الاستحالة لا يشعر بها المرء إلاّ أمام العباقرة، وهم قلائل بالطبع. قبل أيام، مات منصور الرحباني حقاً. لقد غلبه الموت. وأعتقد أن شخص الفنان هو الذي مات، لا الفنان ولا صورته ولا أسطورته. وكلما تحدثنا عنه، الآن أو بعد قليل أو بعد كثير، فسنظل نتحدث عن حضور الفنان - الأسطورة في الحياة والكلمات وموسيقى الأشياء والكائنات والفضاءات والحالات المحيطة، وعن فعله الجوهري فيها. مثل هذا الإحساس نحسّه ونعيشه، ويتواصل معنا، بعد غياب قديم لأديب من طراز جبران خليل جبران. الشيء نفسه بعد غياب عبقري يدعى عاصي الرحباني، الذي لا ينفصل اسم منصور عن اسمه، ولا أسطورته عن أسطورته. حتى لصار الواحد منا إذا أراد الآن أن يكتب عن الكبير الراحل للتوّ لا يجد سبيلاً الى صورته إلاّ مندغمةً بصورة أخيه عاصي الذي ذهب قبل أكثر من اثنين وعشرين عاماً. فمَن يغلب مَن: الفنان الواقع أم أسطورته، أم توأم أسطورته؟ وأيّ واقع وأيّ أسطورة، وأيّ توأم للأسطورة؟!
في كتابه الشهير "قصائد مغنّاة" الذي يحمل توقيع "الاخوان رحباني"، يقول منصور الرحباني:
"رجعتَ في المساء كالقمر المهاجر
حقولكَ السماء حصانكَ البيادر
أنا نسيتُ وجهي تركته يسافر"،
ويقول أيضاً في قصيدة ثانية:
"أنا يا عصفورة الشجـن
مثل عينيكِ بـلا وطـن
بي كما بالطفـل تسرقـه
أول الليـل يـد الوسـن
واغترابٌ بي وبي فـرحٌ
كارتحال البحر بالسفـن
أنـا لا أرض ولا سكـن
أنا عيناك همـا سكنـي".
فهذا الذي عيناها سكنُهُ، يذهب تاركاً وجهه يسافر. يسافر الوجه وتبقى الأسطورة.

التحدّي الأكبر
بقلم: نبيل أبو مراد
كان التحدي الأكبر امام منصور بعد رحيل عاصي، أن يبقي المسرح الرحباني بما يمثّل من تاريخ وتراث وقيمة. أن يبقيه حياً فاعلاً، متوهجاً، فلا يقطع تلك الرابطة القوية بينه وبين الناس، والتي عملا على صناعتها وتوطيدها عقوداً من الزمن. كان منصور يعرف مدى انغراز الفن الرحباني من موسيقى وشعر وصوت فيروزي عجائبي في وجدان الشعب، ليس الشعب اللبناني فحسب، فقد كان هذا الثالوث أيضاً، متمدداً ومرغوباً الى حد الشغف على مستوى العالم العربي بأكمله، وخصوصاً في مداه المشرقي.
كان منصور يعرف ايضاً ان الفن الرحباني أكثر من أغنية، وأكثر من مجرد لحن أو مسرحية. وكان يعرف حق المعرفة ان الذي بناه هو وعاصي على مدى نصف قرن من الزمن، أصبح رسالة وقضية وشأنا يقترب من فكرة حضارية شاملة، قائماً على اعتناق هموم الناس، بل هموم المجتمع بأكمله، بما فيه من قضايا الحق والخير والجمال.
لذلك، قرر منصور أن يتابع، مستعيناً بهمّة أولاده الشباب الذين وجدوا أنفسهم منخرطين، رغماً عنهم، لا بل عن وعي منهم، في عملية التحدي هذه، فتقدموا عاملين بتوجيهات معلّمهم الصارمة ومستفيدين من خبرته الواسعة وشموليته الثقافية. وقد ترك لهم هو في الوقت نفسه هامشاً عريضاً من الحرية ليتحركوا في خلاله لإظهار مواهبهم وإمكاناتهم الخاصة ووضع ثقافتهم الموسيقية التي اكتسبوها بالعلم والمران موضع التنفيذ.
وبدأت مرحلة جديدة في الفن الرحباني، وخصوصاً في المسرح. هذا المسرح الذي ظل محتفظاً بمقوّماته الاساسية، أي الموسيقى والشعر والرقص والغناء والتمثيل، ولكن بالطبع من دون فيروز، التي كانت قد انكفأت منذ زمن الى عالمها الخاص بعد مرحلة الانفصال بينها وبين عاصي، هذا الانفصال الذي انعكس انفصالاً عن المشاركة في كل الانتاج الرحباني في ما بعد، مثل "الربيع السابع" و"المؤامرة مستمرة". وقد طرح هذا الانفصال مشكلة كيانية جوهرية كان من الصعب، بل من المستحيل تعويضها بفنانة أخرى.
وعندما قرّر منصور وأولاده إكمال المهمة بشروطهم واسلوبهم، لم يغفل منصور عن أن المهمة فيها من الصعوبة ما فيها. وفيها ايضاً من التحدي الشيء الكثير. التحدي الذي فرض نفسه من خلال سؤال كبير، هو: كيف يستمر وحيداً ويتحمل مسؤولية المحافظة على هالة العمارة الرحبانية والتراث الرحباني العظيم من دون عاصي وفيروز؟ فكان لا بد من ايجاد صيغة مغايرة في شروطها كافة، إن على مستوى الشكل أو على مستوى التفتيش عن بطل، أو أبطال، يحلّون محلّ فيروز ونصري شمس الدين وايلي شويري وجوزف ناصيف ووليم حسواني وغيرهم من فرسان المسرح الرحباني المخضرمين الذين كانت لهم طلتهم البهية المحببة، والذين كان الحضور الفيروزي يتكامل معهم ويتكاملون معه.
هذا كان التحدي الاول الذي واجه المسرح الرحباني في اندفاعته الجديدة. لكن منصور أدرك ايضاً ان هذه هي سنّة الحياة والتطور والاستمرارية، ولم يُعدم ايجاد فريق بديل من هؤلاء، واعادة العمل على تجذيرهم في وجدان الناس، وتالياً تقبل الناس لهم وعدم اعتبارهم دخلاء يشوّشون على ذاكرتهم المكتنزة صوراً بهية من الزمن الجميل.
وتم استبدال البطل - المرأة بالبطل - الرجل في الدرجة الاولى، مع دعم ملحوظ من نجمتهم السابقة المخضرمة، هدى. فجاء غسان صليبا بقامته المديدة وخامته الصوتية الجبارة، وبقي انطوان كرباج ركناً اساسياً وصلة وصل بين الماضي والحاضر، واستعين بمجموعة من الممثلين والمغنّين منهم من ثبت واستمر ومنهم من قال ما قاله ومشى.
وبقي منصور على عناده وتفاؤله. هذا التفاؤل الوسيع المتولّد عن نفس كبيرة وعن حسّ بمسؤولية فنان شمولي، وطني، وشاعر درامي، لا يمكن أن يتشاءم أو يجعله التشاؤم يتنازل عن قضيته ويقينه بسهولة.
لكن الخطة لم تكتمل ويجب اغناؤها بعناصر أخرى لا بد منها، وهي الموسيقى. فتطلع منصور الى مخزون أولاده والى خططهم وشروطهم في هذا المجال، فوجد لديهم استعداداً لاتجاه تجديدي، فماشاهم، وترك لهم الحرية الكاملة. وخيراً فعل. فجاءت المسرحية الرحبانية جديدة في موسيقاها المغايرة التي احتفظت بميلوديا شرقية وطعّمتها بإيقاعات غربية أحياناً شدّت اليها جيلاً جديداً من الشباب، وخصوصاً عندما ترافقت برقص تعبيري متقن يستوحي بدوره تفاصيل من رقصات عالمية كان لا بد ان ترافق تلك الموسيقى الشبابية المتفجرة والمتمردة. وكان لأسامة وغدي الدور الاساسي في لعبة التطوير الموسيقي هذه، والتي تركت تساؤلات لدى الناس، وهي تساؤلات مشروعة حول إمكان هذه الموسيقى في أن تعبّر عن خوالج جيلها وتطلعاته وتستطيع في الوقت عينه ان تجد طريقها الى وجدان الناس، وليس الى آذانهم فقط، وتعيش معهم حالات التحوّل بين الفرح والحزن والسعادة والشقاء والحب والهموم اليومية في وجوهها وتقلباتها كافة، كما كانت تفعل الموسيقى الرحبانية السابقة ولا تزال. هذا هو وجه من وجوه التحدي الذي تواجهه الموسيقى الرحبانية الجديدة.
الامر الآخر الذي راهن عليه منصور ونجح فيه، هو تسليم مهمة الاخراج الى ابنه مروان، الذي كان قد درس الاخراج السينمائي وعمل في مجال الانتاج الاعلاني. والحق، ان مروان نجح في مهمته هذه نجاحاً بيّناً. فقد استطاع أن يضفي على المسرح الرحباني ابعاداً جديدة لم يعرفها المسرح الرحباني القديم باستثناء بعض الاعمال التي كانت تقدَّم في بعلبك. واستطاع مروان أن يوجه إخراجه الى مراتب عالية من الجمالية وحسن الادارة والفن المشهدي المحترف وبناء سينوغرافيا باهرة، مستعيناً بأحدث التقنيات العالمية. وأثبت مروان انه متقدم على أقرانه، وهم في كل حال قلائل جداً، في هذا المجال. وأعطى المسرح الرحباني الجديد قوة مشهدية بالغة الروعة لم تكن لتحدث لولا تحلي هذا الرجل بثقافة واسعة واطلاع كافٍ وانفتاح على كل جديد في هذا المجال في الشرق والغرب، مسخّراً ما توافر لديه من امكانات فكرية ومادية. فكان الاخراج والموسيقى والسينوغرافيا في صلب العوامل التي قرّبت المسرح الرحباني الجديد الى الشكل الاوبرالي العالمي مع الاحتفاظ بخصوصية رحبانية تتميز بإبقاء هذه الاوبرا قريبة من اذواق فئات الشعب كافة وليست حكراً على فئة اريستوقراطية تحمل ثقافة موسيقية عالية في الضرورة كما كانت الحال في الغرب.
ثمة أمر آخر أيضاً، فقد حافظت المسرحية الرحبانية الجديدة من خلال النص، والفضل لمنصور طبعاً، على تفوق البعد الدرامي على الغناء في صيغته الاوبرالية المقننة الباردة. وفي الوقت ذاته احتفظت ببعض شروط "الاوبرا كوميك" عندما ابقت المشاهد الكوميدية الضاحكة وغير الملحنة في الضرورة، كما طرحت مسائل أدبية وفكرية واجتماعية قديمة ومعاصرة، واستعانت بمواضيع من تاريخ بيئتها ومنطقتها. ومن مزايا الاوبريت ايضاً انها حافظت على حدود معينة من الغناء الشعبي والموسيقى السهلة القريبة من ذوق مستويات الفئات الشعبية، وذلك بحكمة وتوجيه من منصور الذي في رأينا، ما كان من السهل أو من الممكن أن يتخلى عن هموم الناس ورغباتهم وهواجسهم وتقاليدهم في أدبه وفنه. وهذا هو صمّام الامان الذي ابقى المسرحية الرحبانية الجديدة على اتصال وتواصل مع مجتمعها وبيئتها وتراث المنطقة التي هي منه الى حد بعيد. ونتمنى على الشباب مروان واسامة وغدي أن يتنبهوا اذا ارادوا أن يتابعوا في مجال المسرح، الى هذا الامر، وأن لا يؤخذوا بالاغراءات المشهدية والسينوغرافية وحتى الموسيقية الجديدة على حساب التراث والحسّ الشعبي والادراك التاريخي والجغرافي والوجداني لشعبهم وبيئتهم ومجتمعهم.
هذه هي خطوط المسرحية الرحبانية الجديدة التي توسلت ايضاً بشخصيات عظيمة من التاريخ كانت تفسح في المجال للبذخ في العناصر المشهدية من ديكورات وأزياء وغيرها وتتخذ نماذج لما يجب أن يكون عليه الحاكم العادل وكيفية الاتعاظ بمواقف وافكار مثل هذه الشخصيات كجبران والمتنبي وسقراط، فضلاً عن شخصية المسيح. وهذا وجه آخر ايضاً من وجوه المسرح الرحباني الجديد...
وتبقى الورشة قائمة ويبقى التحدي ويتضاعف الى حد الخوف امام مروان وغدي وأسامة بعد فقدهم سندهم الاول وموجّههم ومرشدهم واستاذهم، وقبل كل شيء والدهم، الذي ترك بعد رحيله غصّة كبرى في قلوبهم وقلوب احبائه وهم كثر. فمنصور الرحباني ليس رجلاً عادياً، انه تاريخ في رجل وهو جناح آخر لعبقري اسمه عاصي. خسارته خسارة كارثية على وطن مثل لبنان وعلى اجيال تربّت على فنهما وأدبهما وشاعريتهما وموسيقاهما.
ما كان أحوجنا اليوم الى أن تبقى معنا يا منصور سنداً ومعيناً لنا على تفاقم الفساد والانهيار الاخلاقي والفني. معك يصبح للوجود معنى مغاير. كنا نحتمي فيك ونتكل عليك ونتشدد بتفاؤلك ونمنّن أرواحنا بتعاليمك في كيفية المحافظة على القيم الاخلاقية والجمالية السامية التي من دونها تصبح الحياة لا تطاق .

مختارات

لقاء الأمس
لملمتُ لقاءَ الأمس بالهدبِ
ورحتُ أحضنها في الخافقِ التعبِ
أيدٍ تلوّح من غيبٍ
وتغمرني بالدفِ
بالضوءِ
بالأقمارِ
بالشهبِ
ما للعصافير تدنو
ثم تسألني:
"أهملتِ شعركِ
راحتْ عقدة القصب"
رفوفها
وفضولٌ في تلفّتها
تثير بي نحوها بعضاً من العتبِ

حيرى أنا
يا أنا
والعين شاردةٌ
أبكي وأضحك في سرّي بلا سببِ
أهواه؟
من قال إني ما ابتسمتُ له؟
دنا فعانقني شوقٌ الى الهربِ
نسيتُ من يده أن أستردّ يدي
طال السلامُ
وطالت رفّة الهدبِ
حيرى أنا
يا أنا
أنهدّ متعبةً خلف الستائر في إعياء مرتقبِ
أهو الهوى؟
يا هلا إن كان زائرنا
يا عطرُ
خيِّم على الشبّاكِ
وانسكبِ

زائري في الضحى
يا زائري في الضحى
والحبّ قد سمحا
عيناكَ أعلنتا
أن الربيع صحا
غنّيتُ من سهري
حتى بكى الوترُ
يا صاحب العمرِ
ولّى بنا العمرُ
ها صادحٌ صدحا
يستوطن الفرحا
غنّى على حُرقٍ
في البال وانجرحا
سكناكَ في الهدبِ
ضوءٌ ومتسعُ
الطيبُ يرحل بي
والشوق والولعُ
يا لافحاً لفحا
أرض الهوى ومحا
ما كان من شجنٍ
فالحبّ قد سمحا





Posted by: fr george massis

عصفورة الشجن
أنا يا عصفورةَ الشجنِ
مثل عينيكِ
بلا وطنِ/ بي
كما بالطفل تسرقه أولَ الليل يدُ الوسنِ
واغترابٌ بي
وبي فرحٌ
كارتحال البحر بالسفنِ
أنا
لا أرضٌ
ولا سكنٌ
أنا عيناكِ هما سكني
راجعٌ من صوبِ أغنيةٍ
يا زماناً ضاع في الزمن
صوتها يبكي
فأحمله بين زهر النومِ والوهنِ
أيُّ وهمٍ أنتَ عشتُ به
كنتَ في البالِ
ولم تكنِ


أُعلن حبّي لكَ
رجعتَ في المساءْ
كالقمرِ المسافرْ
حقولكَ السماءْ
حصانكَ البيادرْ
أنا نسيتُ وجهي
تركتُهُ يسافرْ
سافرتِ البحارْ
لم تأخذ السفينهْ
وأنتَ كالنهارْ
تشرق في المدينهْ
الريح تبكي... تبكي
في الساحة الحزينهْ
أعرف يا حبيبي
أنكَ ظلٌّ مائل
وأن أيامكَ لا تقيم
وكالمدى تبعد
ثم تبعد
أعرف يا حبيبي
وتحت سقف الليل والمطرْ
وبحضور الخوفِ
والأسماءِ
والعناصرْ
وكلِّ ما لا اسمَ له في الكونْ
أُعلن حبّي لك
واتحادي بحزن عينيك
وأرض الزهر في بلادي
وينزل المساء!

منصور الرحباني: الوداع الأخير.. تصرخ أبداً للحرية
بقلم العماد ميشال عون
منصور الرحباني هو انتماؤنا الى ذاتنا الانسانية وتجذّرنا في ارضنا الطيبة ورسوخنا في هويتنا الحضارية.
منصور الرحباني حاضر أبداً بيننا، نغماً وعبقرية ووطنية، فلا الموت ينسينا اياه ولا الرحيل يبعدنا عنه.
لم تكن نظرته إلا أبعاداً واسعة المرامي تستقر في الوجدان، بها يستنهض الهمم، يحثها على التمرد واختراق الرتابة. عاش منصور لبنان في ذاته، لبنان الصامد الذي لا ينكسر بل يكسر من، بحقد وظلم، يجرؤ على النيل من عزيمته وابتغاء هزيمته، لبنان المنتصر دائماً لأنه مشروع حضاري انساني بامتياز.
حين تبحر معه في انجازاته الخالدة، التي هي من شعر ولحن، من مسرح ونبض، من رؤى ورايات، لا تنس انه ليس واحداً، بل هو اقنوم احدٌ لطبيعتين اتحدتا معاً لتكوّنا شخصية واحدة: "الاخوين الرحباني"، اعني هوية لبنان المتمايزة، حدها حد الحق، وحدودها آفاق اللامحدود، وهي "من تحت هالأرزة... لآخر الدني!" صورة نقية ووهاجة عمقاً وتألقاً.
في الوطن كان هو الاقرب الى انسانه الأحب. وفي المنفى كان هو الاقرب الى رجاء انسانه المتأهب للعودة بعناد وتصميم، اذ كان لا بد من العودة مهما تأخر وصول الربان بالسفينة ليوقف هروب الشطآن المرمية بالغربة.
هكذا اراد منصور الرحباني الذي عرفته، ان يبقى موسوماً بدفع المدى الفرح. فرحاً يحمل للناس، ويمضي يفتش عن مظلوم بعد مظلوم ليحمل لارادته المعنى الحقيقي للوجود: أن تكون يعني أن تثور، ان تواجه المفروض المرفوض، وان تبذل نفسك في سبيل قيامة وطنك وشعبك.
منصور أنت الغمر الدائم القامة، أنت الجموح بحقيقة القيامة... بل أقول انك استحقاق النعمة للبنان.
قال منصور انه "منبسط اليدين"، "حب مصلوب عن كل الشعوب". وأنا، "اليوم" في وداعه الأخير، أقول له: "هون رح نبقى"، نعاند، نتّحد بترابنا، نتموضع بمحيطنا ونتفاعل بمعجن رسالتنا. وتبقى انت، يا عزيزنا الخالد، طائر الفينيق الذي هو مربضنا الدائم فوق قمم البطولة، تصرخ أبداً: حرية! حرية! حرية!.


إنه الحلم
بقلم: جورج عبيد
حجب وجه الأخوين عاصي ومنصور الرحباني عفن التاريخ في لبنان. وكان لبنان، الواقع اسيراً له، يمتد وجهه المدمى والمجروح، من الذين قرروا ان يلقوا به على قارعة الوجود، فجاءت مسرحياتهما بالموسيقى والشعر، لتأخذنا الى مطارح البهاء، حيث يستمد الذهب الخالص، ويذاب على مساحة الجغرافيا اللبنانية والعربية، فنألف الحلم منطلقاً للتغيير، ونذوق الرجاء بدء قيامة.
تساءلت مراراً، وتساءل كثيرون، كيف لرجلين ولدا في بيئة فقيرة، من اب يملك مقهى صغيراً، وقد عملا شرطيين عاديين في بلدية انطلياس، ان يبلغا مساحة الضياء، ويرتويا من الينابيع الموسيقية الصافية، ومن التراث اللبناني – العربي، ويرمما عمارة النهضة اللبنانية، بدءاً من الخمسينات الى الستينات الى السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، حتى انفرد منصور وحيداً في التنقيب عن الحرية المكنونة في التراثين الاغريقي والعربي، ليمتد مطلاً على اشواقنا وعلى حلم نهضتنا في ازمنة الجفاف والقحط؟
وبعد حقبة طويلة من هذا التساؤل، اتاني الجواب من منصور نفسه، اذ قال لي، انه الحلم. والحلم يعني الرؤيا والكشف، وقد تعلمت غير مرة، ان لا وجود لاي خلق بشري او ابداع اذا لم يكن الحلم والكشف اساسه وبدءه. وفي لغة اخرى ليس للكاتب والشاعر والاديب والفنان والموسيقي ان يكتب او يؤلف او يلحن او ينظم اذا لم تولد المكونات من علّ، من اساس سر الرؤيا. فيصح القول، اننا نستكتب ولا يكتب اللحم والدم فينا شيئاً، اذ ما هو تراب يفنى في التراب.
كيف لا يكون هذا قائماً عند منصور، الذي ارتوى من التراث المشرقي بهاءه، ففاضت في داخله جداول وينابيع، اخذته الى الشعر والموسيقى، فكان يغالب العمر والازمنة بالرؤيا عينها، ويصر على نسيان الزمن، والاختباء من عبوديته، حتى تنشد فيروز من كلماته وعاصي:
"تعا تا نتخبا من درب الاعمار
سألونا وين كنتو
ليس ما كبرتوا انتوا
ويللي نادى الناس
تا يكبروا الناس
اذا هني كبروا ونحنا بقينا زغار
من إلون نسينا
راح ونسي ينادينا".
وقد ذاق منصور الرحباني، ان نسيان الزمن يعني بخلفية اخرى نسيان الموت. فالاطفال وحدهم يغالبون كل موت في التاريخ ببراءتهم. والمسرح الرحباني التمس سر الغلبة من الطفولة، وكشفها على المسرح بالحقيقة المسيحانية التي لا يرقى اليها شك. فالطفولة في السر المسيحاني، هي بداءة البدء. وليس من انفصال بينها وبين الفلسفة واللاهوت. غير ان منصور نحا بكل هذا الكشف الى فجر الحرية، المؤسسة على الشهادة في مسرحية صيف 840، في قوله "يا بتوصل على الموت يا بتوصل عالحرية". فقد فهم ان ليس من التقاء بين الموت والحرية، فهما تأسسا على عداوة كريهة، بعد ان ابادت شهادة الناصري عبأه ونتانته. فكان من هذه الزاوية يقرأ مع عاصي سر التاريخ اللبناني، الاسير للقوى الخارجية، واسير المصالح الداخلية والعقلية المركنتيلية، فجسد مع اخيه الصورة الواقعية لهذا الاسر المطلق، في بعض مسرحياتهما "كالشخص" و"يعيش يعيش"، فتجلت الواقعية تمتمة لنبوة مفادها الخوف من بقاء لبنان اسير اللاعبين واسير العقلية هذه، فلا الحاكم لصيق بالوطن، ولا الشعب مكوّن له، بل هو شعوب مكونة لزعماء يسودون، وكأنهم آلهة خالدة. غير ان تجسيد الواقعية النبوية كان اساساً متيناً لسطوع جمال الحلم في سبيل الحرية، التي تستوجب الشهادة مع "غربة" و"مدلج" في "جبال الصوان"، و"فخر الدين". وظل منصور يغالب الزمن بالحلم، يحطم اصنام الواقع، في التنقيب عن سقراط الذي مات شهيداً متناولاً السم، وظل اب الفلسفة، التي اساسها معرفة الذات، والمتنبي في شهامة شعره، ورؤيته الكاملة، وزنوبيا كرمز للمرأة العربية المقاومة، الرافضة كل ذل واستعباد. وكأني بمنصور يقول بأن من لا يعود الى تراثه يفقد حاضره ومستقبله وحصانته بوجه المستعمرين.
لقد لامس منصور الرحباني مع عاصي، ذاتياتنا المتنوعة، المتلاقية حيناً والمتباعدة حيناً آخر. والملامسة جاءت من فهم للبنان اخضر الجسد ابيض الوجه، ينبع جماله من فرادته، وكأن الفرادة الذاتية كتابة فردوسية، اخذها الاخوان رحباني الى المسرح بتجسيد كامل. وهما حملا قضية شعب "مشلوح على بحور التعب" والآلام والجراح، في مواجهة الحكام والطبقة السياسية. وفي كل هذا لفظ منصور ظلم الجبابرة المقنّع والمزيّف، وقد ادى هذا الظلم في محطة تاريخية الى فقداننا فلسطين وبقي "الطفل في المغارة وامه مريم وجهان يبكيان". هذا هو عمق الصليب، صليب الشرق العربي، والوجهان يبكيان. أليست المفارقة ان يغادر منصور هذا العالم واطفال غزة يذبحون، والاحياء في القدس العتيقة تشوّه معالمها التوحيدية بشطب المسيحيين العرب من خطوطها ومفرداتها؟ والمأساة ان يرحل منصور، ويأخذ برحيله حلماً لبنانياً عربياً وجودياً يحرّك الجماهير، من باب التلاقي المطلق بين الحق والخير والجمال. كان منصور في قصائده ومسرحه يبحث عن الحق في الجمال، ويرى الخير في كليهما، في اندماج كلي بين الاصالة والحداثة، من دون ان تفرّط الحداثة عنده بأصالة تراثنا مسرحاً وشعراً ولحناً، ومن دون ان تتجمد الاصالة في اصولية مطلقة تبعدها عن محاكاة الاجيال وتطوّر الزمن. فالجمال، على الرغم من بعض فرادته، واحد وهو لا يتجزأ في كل الفنون من مسرح وموسيقى وغناء وشعر. انه ممدود الى كل الاجيال، وغير معصوم عن الحياة. بل هو لبها. والحق سطوع له كما قال افلاطون مرة. وبهذا الجمال الاصيل المستمد وجهه من اصالة تراثنا المسيحي والاسلامي استطاع منصور ان يحاكي كل الاجيال، ويخلد بهذه المحاكاة المبدعة والخلاقة في ذاكرة لبنان والمشرق العربي بعيداً من كل معطوبية سياسية او جسدية ذاتية.
في ازمنة القحط الفني والموسيقي يغيب منصور، بعد ان تغلّب التفلّت على الجمال والحرية، وتسلع الانسان وصار عبداً لحركة الفلسفة التسليعية. لقد خط جيل الرحابنة كلمات الجمال والحق في دنيانا وتبقى هذه الكلمات رحم الولادات المضيئة في هذه الازمنة، حتى ينبلج الضياء في سر الطفولة التي لا تنتهي، وهو سر الحرية المطلق، ويظل منصور ذلك الوجه الاقوى من الازمنة، يمسك بها ويختطفها الى سر الوجود الكامن في ابدية الله المنسابة جمالاً مطلقاً وكلمات حية في قلب التاريخ ومدى الانسانية.




ناصراً لفلسطين وراجعاً الى القدس
بقلم: الدكتور ميلاد السبعلي
منصور الرحباني يا اغنية الوطن ونشيده.
يا توأم عاصي في الموسيقى.
يا شقيق الياس في الشعر.
ايها الناثر كلماتك على مساحة وجودنا.
ايها الكبير الذي كشف في فنه صغائر من قالوا انهم زعماء،
فعّريت "ملوك الطوائف"، واسترجعت فخر الدين وطنياً، وتوغلت في التاريخ، فكانت زنوبيا ملكة تدمر، وتحدثت عن صيف 1840، لتؤكدانه غير صيف 2006، الذي فيه انهزم الجيش الاسرائيلي على يد المقاومة.
كنت يا منصور من اسرة انسانية وعائلة فنية، ناصرت فلسطين واننا راجعون اليها، فانتصرتم لقضيتها، مذكرين بالقدس زهرة المدائن، فأضحيت مع شقيقيك عاصي والياس، مدرسة فنية ملتزمة قضايا الوطن والانسان، فتحولت قصائدكم المغناة، فناً وطنياً مقاوماً تغييرياً، فلم يكن فنكم من اجل الفن، بل من اجل قضية، فكانت اغنياتكم الصباحية، زوادة الأب، ورفيقة الأم، ولحن الاطفال والاولاد، فانطربنا فيها، فناً مشرقياً أصيلاً، كان لبنان والشام وفلسطين والاردن والعراق فيه.
لقد غبت يا منصور، ايها الفنان العظيم، والى جوار عاصي ستكون، ولكن الفينيق دائماً مستفيق.


عاصي الرحباني يموت مرتين
بقلم: ايلي معوشي
مات عاصي الرحباني، مرة اولى، في الحادي والعشرين من حزيران 1986.. ومات، مرة ثانية، يوم مات منصور الرحباني في الثالث عشر من كانون الثاني 2009... كان منصور الرحباني يرد جواباً الى من كان يسأله كيف تكتب وتلحن في غياب عاصي، فيقول: "عاصي لم يغب عني لحظة.. فأنا ما كتبت، يوما، كلمة ولا وضعت لحناً او مسرحية الا كان أخي عاصي معي.. أنا وعاصي اثنان في واحد: عشنا معا، وعملنا معا، وسنموت معاً، ومعاً سنسكن مع "ساكن العالي"...
عندما نقول عاصي الرحباني نقول منصور الرحباني، وعندما نقول منصور الرحباني نقول عاصي الرحباني، وعندما نقول الاخوين رحباني نقول فيروز...
عاصي ومنصور وفيروز ثالوث فني متفرد ما اتت بمثله الاوائل، وبمثله لن تأتي الاواخر...
عاصي ومنصور الرحباني اخوان هما، في الشعر والموسيقى والمسرح، معجزة نادرة...
في الخمسينات من القرن الماضي، عندما سطع نجم الاخوين رحباني، كانت محطة الشرق الادنى للاذاعة العربية، اذ تقدم اغنية "فيروزية، تقول: "هذه فيروز تغني؟.
من تأليف وتلحين "الاخوين رحباني"...
والآن، يغيب التأليف والتلحين الرحبانيان ويبقى الصوت الرائع، تبقى فيروز – مد الله عمرها – حاملة بصمات الفنانين العظيمين الاخوين عاصي ومنصور...
اذ يموت، اليوم، ثاني "الاخوين رحباني": تقع نجمة هي كبرى نجوم السماء، وتيبس ارزة هيهات ان يطلع بديل منها، وتهتز "القرنة السوداء"، ويعرو الفن خدر، وتلبس الاغنية الوطنية اللبنانية، خاصة، والعربية، عامة،... تلبس الحداد الى اجل غير مسمى...
واذ يغيب "الاخوان رحباني" معا: يأكل الغبار "بزق" عاصي، ويكف قلم منصور عن الصرير، وتبدو فيروز واقفة – هكذا يخيل الي – في صحراء لا واحة فيها، وفي ليل غاب قمره، وعلى مسرح تقطعت اوصال خشبته...
رحل الكبيران عاصي ومنصور الرحباني وقد تركا بحراً زاخراً بالفن الفوقي الرائع الذي ستنهل منه الاجيال حتى انقضاء الازمنة وزوال الامكنة...
وبغياب "الاخوين رحباني" تموت، من غير قيامة، الرؤية والرؤيا اللتان عاشتا – طوال اكثر من نصف قرن – في عقل الاخوين وقلبهما فولدتا الجمال والحقيقة والحرية والفرح والحب والسلام في الوطن والارض والانسان...
يغيب، اليوم الى الأبد، الرحبانيان الكبيران قطب الفن الخالد... وفنهما، هذا، لن يغيب ابدا...
قدر المبدعين الخلاقين هو ان يعيشوا للعطاء رسلا... ثم يموتون من غير ان يعطيهم احد شيئا...
يبقى ان ملوك الفن الرحباني الثلاثة، عاصي ومنصور وفيروز: فنهم باق في ذاكرة لبنان والتاريخ... وان اعظم تكريم للغائبين الكبيرين هو اظهار فنهما، كل يوم، في وسيلتي الاعلام المرئية والمسموعة، وفي ساحة قصر الرئاسة الاولى والثانية، وفي السرايا الكبير، وفي ساحة كل مجلس بلدي، وفي ساحات القرى والمدائن، ولا سيما في المؤسسات التربوية حيث يتعرف شبابنا الحضارة الفيروزو – رحبانية التي لا تماثلها حضارة...

الى ديار الخلود غادرنا منصور
بقلم: ابرهيم عبده الخوري
الى ديار الخلود غادرنا منصور للالتحاق بأخيه عاصي.
عملاقان من عندنا هويا بعد عمر زاخر بالعطاء الفني والمسرحي. كتبا ولحنا معا ما يقارب العشرين مسرحية قدمت على المسارح المحلية والعربية، ومنها: "جسر القمر"، "هالة والملك"، "جبال الصوان"، "ميس الريم"، "بترا"...
بعد رحيل عاصي كانت لمنصور محطات غنائية ومسرحية رائدة. اكمل المشوار، من دون سفيرتنا الى النجوم فيروز، وغاص في دنيا المسرح.
فكتب مسرحيات لامس ابطالها الكواكب وهم يؤدونها على خشبات مسارح بيروت وجبيل وجونيه ودبي، ومنها: "آخر ايام سقراط"، "المتنبي"، "ملوك الطوائف"، "جبران خليل جبران"، "عودة الفينيق". وهذه الاخيرة تعرض حالياً فوق خشبة مسرح كازينو لبنان.
من مهرجانات بعلبك انطلق منصور بضحكاته واسكتشاته وغمزاته من قنوات المسؤولين المقصرين في حق الوطن.
ومن عمق التاريخ استعاد شخصيات، وأعادها الى المسرح تغني وترقص وتروي قصصا واساطير كادت تكون في عالم النسيان.
ومن الخوابي المعتقة غرف الاغاني والمواضيع. فازدادت عنده المواهب، وتنوعت العروض، وتمايلت الايقاعات، وكثر الكلام المغري. فكان ابطاله والممثلون الثانويون، على المسارح، يقدمون الصورة النابضة بالحياة، والمشعة باحلام منصور لاستيعاب الجمهور.
هذا الطود الشامخ في عالم المسرح الغنائي حمل المشعل الرحباني بكل امانة. وكي يبقيه ساطع الانوار على مدى الايام امتشق اليراع، وقال الشعر الحر والزجلي، ثم جمعه في دواوين.
في البدايات تأثر عاصي ومنصور بأمير الطرب محمد عبد الوهاب وسيد درويش، ثم راحا يكتبان النوتات الموسيقية ويؤلفان الاغاني بلغة خاصة بهما. وكانت مسيرتهما الفنية ملكهما، لتصبح في ما بعد ملك التاريخ الفني.
أمس انكسر يراع منصور على مذبح المسرح، لكن الفاظه وجمله وتعابيره هي الابقى على مدى الازمنة، وابناؤه مروان وغدي واسامة، الغارفون من بحره الواسع، سيكملون المسيرة بحب واندفاع ومن دون تردد.

منصور!
بقلم: ملحم الرياشي
اقلام كثيرة سوف تذرف عليك الابجدية، اما أنا، فسوف اكتب لك الكلمة.
محابر كثيرة سوف تلطخ الاوراق حبراً وأحرفاً، اما انا، فلسوف أنهال عليك بكلمة.
دموع كثيرة سوف تنهمر لغيابك، اما انا، فلن أبكي!
وتنهد، وحزن وشوق مسبق محمّل برحيق النحل... وطريق النحل،
حلم ولحن واوقات باكيات،
ساعات تمسح الدقائق عن عينيها براحة اللحظات الخجلات، في زمن قلّ فيه الخجل والحياء.
منصور الرحباني،
وحين تحضر العمالقة، تتقزّم الازمات، ويضيق الشرق في رجل، ويتسع القلب لجبين اعرض واوسع وأنقى من ندى الصباحات.
يا ليتني استطيع ان اكتبها بلا احرف، ولا ابجدية... ولكن شاء صاحب المشيئة، ان تكون الكلمة – "الذي منذ البدء" – الوسيلة الوحيدة للتواصل.
منصور الرحباني،
أنت منصور أما نحن... فمهزومون!

وداعاً
بقلم: نوال البرازي
وداعاً أيها الكبير العملاق، وهل آخرة العمالة التراب؟ إذاً فليتمجد هذا التراب باحتضانه هذه القامة العالية.
منصور الرحباني لقد اعطيتنا في حياتك الكثير، اعطيتنا واغدقت، تركت لنا ارثاً لا يندثر من زمن عاصي ومنصور حتى اليوم.
لكن بذهابك لن تنتهي اسطورة الرحابنة، ستبقى ما بقي الزمن وبقي لبنان.
(منكمل باللي بقيو) بأولادك اسامة ومروان وغدي. بـالياس وزياد وغسان وجاد. وبكل من انتمى الى عائلة الرحابنة.
لطالما فخرت بلبنان انه وطنك ايها الفنان العظيم، ولكن لا تنس ان لبنان ايضاً يفخر بك انك من ابنائه.
ذهبت في هذا الوقت الصعب الذي نعيشه، والغريب انك كنت في الكثير من مسرحياتك ومقابلاتك تستشرف هذه الاحداث وكأنك تعيشها اليوم.
وبما اننا كلنا سنرحل يوماً عن هذه الحياة، أقول لك الى ان نلتقي وداعاً منصور الرحباني.



الفينيق الذي غاب ! (1)
بقلم: صلاح مطر

منصورُ، رُحتَ لرحمةِ الرحمنِ فاستدمعَ الابداعُ في الألحان!
لبنانُ من بحرِ المدى حتى الذرى وفنونُه، يبكي فتى الفتيانِ
والقدسُ تسفحُ دمعتينِ على الذي في لحنه يبكي على الانسانِ
في غزة، تعبَ الردى من دمها والغزو لم يتعب من الادمانِ
قتلاً وسحلاً فالحريق مدى المدى وشراسةٌ في الفتكِ بالشبانِ
والأمهاتُ حملنَ فوق ظهورها أطفالها: فالموت كل مكان!
نهرٌ يسيلُ من الدماء على الربى وضميرُ كونٍ ماتَ في النسيان!
حتى الأقارب ما نفوا خذلانهم يا خجلةَ التاريخ من خذلانِ!
والعالم العربيّ لواءٌ أسود من نجده المصدوم للسودان..
والعالميةُ أدمعتْ باسم الوفا قد رِدْتَها لرسالة الفنان!
والعبقريةُ راعها أن ينتهي وجدُ الذي سيظلّ في الوجدانِ
... خلّدتَ لبناناً بلحنٍ خالدٍ وقصائد تبقى مدى الأزمان!
كالنسر، عاينَ قبلُ، بؤسَ سفوحِه حملَ السفوحَ الى ذرى اللمعان
ومضى، الجفونُ على شفا لبنانه وعلى البراعةِ وهو في الأكفانِ
سافرتَ وحدكَ، كالملوك(2)، مغنّيا وأسلتَ للبدّاع نهرَ معاني!
والمجدُ في وهجِ الرجالِ اذا انتهوا أن يتركوا للقبرِ بعضَ بيانِ!
يستقبلونك في السماء جماعةٌ: جبران والعبود والبستاني
وبشارة وأمينُه، نسرا الحمى وشفيقُ والمطران، والريحاني..
أما الذي غنيتُه ملءَ الفضا(3) فيهيبُ بالأبطالِ في الميدانِ
لتحيةٍ تحيي الحماسَ وعنجراً وسوامقَ الأحلام في الأوطانِ
منصورُ، قد ذكّرتنا بالعنجرات، فجيشنا ينقضّ كالبركانِ!
سلّم على "عاصي" وقُلْ لكلامه(4): "لبناننا كجباله الصوّان"(5)!
فجباهُنا مثلَ الجبال عليّةٌ لم يحنِها يوما سوى الديّان!
سبّح لربّك في السماءِ مرتّلا: لبنانُ ميّزه على البلدان!
قانا، جعيتا، بعلبك، وأرزَنا ورؤى السعيد(6) ودوحةَ الرحباني
نَمْ في ثرى لبنان تغنِ ترابَه فترابه نحميه كالأسدانِ
كجدودنا، ماتوا وقوفاً في الوغى رفضوا، بحدّ السيف، عيشَ هوانِ
حتى تعود اليه مع فينيقه(7) بقيامةِ الروّادِ والفرسانِ
تبقى ببدعِكَ رائداً متعدداً: رمزَ العلى كالأرزِ في لبنانِ!




موقع زيدل سوريا حمص  .. خدمات تشات و دردشة  ... أرشيف المنتدى



vBulletin Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2009 - Created by Stefan "Xenon" Kaeser