Pages: 1

حرمية ولصوص من كل زمان

(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )


Posted by: Ronyhsg

كان صديقي أبو النور جالساً في المقهى وقد وضع نظارتيه على عينيه، وفرد صفحات إحدى الصحف المحلية أمامه، وشرع يفرقها عن بعضها، ويرفع كلاً منها إلى الأعلى، يديرها باتجاه الضوء، يتأملها ملياً، ويضعها جانباً،.. وبعد أن يفكك الصفحات على نحو نهائي يعود فيرتبها مجدداً، ويضغط على حوافها ويطويها، فتعود كما لو أن أحداً لم يلمسها قبله.
قلت له، بعد السلام والكلام والسؤال عن الأحوال وراحة البال:
- ما بك؟ لماذا أنت مهتم بهذه الجريدة؟
قال لي: هذه الجريدة، يا أبو المراديس، تضع في مخططها أن تطقق لي عقلي وتجعلني أمشي في الأزقة وأكلم نفسي مثل المجانين.
قلت ممازحاً: حلو. إذا جننت على آخر عمرك تكون قد شممت هواء غربياً! طيب قل لي، كيف ستجننك هذه الجريدة؟!
قال وهو يعاود فرد أوراق الجريدة عن بعضها، ويقرب إحدى صفحاتها من وجهي:
- تفضل واقرأ ما هو مكتوب هنا.
كان المكتوب في المكان الذي أشار إليه أبو النور يتلخص بأن شخصاً ما يدعى (س) تسلم في الدولة منصباً مستواه فوق المتوسط بقليل، وبعد مغادرته المنصب تبين للرقابة والتفتيش أنه قد اختلس مبلغاً يتراوح بين الخمسين مليون والمئة مليون من الليرات السورية.
قلت لأبي النور: يا رجل، هذه الأخبار أصبحت كثيرة إلى درجة أننا لم نعد متشوقين لقراءتها ومتابعة تفاصيلها، يعني، بصراحة، صارت مملة.
قال: وأنا من رأيك، ومع ذلك فهذه الجريدة تسبب لي إزعاجاً كبيراً.
قلت: من أي نوع؟
قال: أرجو أن تلاحظ بداية أنني لم أضع الرجل في رقبتي، وقد قلت عنه مختلس على ذمة الجريدة والرقابة والتفتيش.
قلت: أعرف أنك لا تضع أحداً في رقبتك. تفضل.
قال: قبل بضع سنوات، وبالتحديد بدءأً من اليوم التالي لتسلم هذا الرجل المختلس (س) مهامه في منصبه، عَلَّقت علينا هذه الجريدة مثلما يعلق الفقر على الإنسان المنحوس، متمثلاً قول الأستاذ فريد الأطرش في إحدى أغانيه: تطلع للسما أطلع لك تنزل للأرض أنزل لك. دايما وراك دايماً..
قلت: بأي شيء عَلَّقت عليك الصحيفة مثل الفقر؟
قال: بتركيزها على الجانب النزيه في شخصية المسؤول (س) الذي نحن بصدده، فقد نشرت، على مدى عشر أعداد متتالية على الأقل، سيراً ذاتية وملخصات وشروحات وحوارات وشهادات عن حياة الرجل العصامي المنحدر من أصل فقير، الذي لا يمتلك من الدنيا غير شهاداته الجامعية العليا واستقامته ورضا الله ووالديه عليه، ونزاهته،.. وهي الآن معلقة علينا مثل الفقر بإلحاحها على كشف اختلاسات هذا الرجل التي تكاد تصل إلى مئة مليون من الليرات السورية.
قلت محاولاً استفزاز أبي النور:
- لعل الجريدة مخطئة في التسمية، أعني قد يكون ما أخذه هذا الرجل العصامي، النزيه، من الناس عبارة عن هدايا، وأنت تعرف أن الموظفين الذين يأخذون رشوات صغيرة دائماً يحاججوننا بقولهم إن النبي محمداً (ص) قبل الهدية.
ضحك أبو النور ضحكة موجزة وسكت، فعدت إلى استفزازه مكرراً السؤال نفسه، فقال لي:
- أنا مثلك، ذكرت هذه الذريعة أمام صديقي لي يدعى أبو راغب، فقال لي إن النبي صلى الله وعليه وسلم إذا كان قبل هدية، فرضاً، فمؤكد أنها عبارة عن أربع تمرات، أو نصف طاسة من حليب النوق.. أأنت تعرف شيئاً عن حجم الهدايا التي تقدم للمسؤولين في هذه الأيام؟؟
قلت متغابياً: لا أعرف، هات نورني.
قال: يأخذون له- الله يأخذهم ويأخذه- براداً، وغسالة أوتوماتيكية، وتلفزيوناً، وجلاية على الكهرباء، ومكنسة للسجاد مع السجادة التي ينبغي أن تكنس،.. وأمس من يومين سمعت عن نوع من الهدايا غريب وعجيب، ويطير العقل.
قلت: أيش هو؟
قال: أحدهم ذهب لزيارة مسؤول لكي يبارك له بنجاح ابنته من الصف الثاني إلى الصف الثالث الابتدائي، وقدم له هدية، هي عبارة عن لواحة مفاتيح..
قلت: ولكن هذه هدية بسيطة، أكبر حمالة مفاتيح بخمسين ليرة.
قال: ولكيلا تبقى لواحة المفاتيح خالية وضع له فيها مفتاح بيت ومفتاح سيارة، ولأنه يعرف أنه سيأتي يوم يتبهدل فيه هذا المسؤول ويصدر قرار بحجز أملاكه المنقولة وغير المنقولة، فقد سجل البيت باسم المدام، والسيارة باسم المحروس..
وقلت لأبي النور:
- هذه الحكاية ذكرتني بصديقي المرحوم أبي زياد ممدوح عدوان الذي ذكر لي ذات مرة حديثاً نبوياً ينص على أن السارقين في الدنيا يأتون يوم القيامة وكل واحد منهم يحمل على ظهره ما سرقه..
وقال أبو زياد ضاحكاً بطريقته المعهودة:
- فإذا جاء حرامية الزمن القديم ستجد واحداً منهم يحمل على ظهره معزاة، وآخر يحمل زنبيلاً مملوءاً بالقمح.. وأما حرامية زمننا فيأتون وهذا يحمل على ظهره سيارة شاحنة، وذا يحمل بناية، وثالث يحمل على ظهره باخرة.. و..
يحملونها على ظهورهم، لا بأيديهم.. النظيفة!!




موقع زيدل سوريا حمص  .. خدمات تشات و دردشة  ... أرشيف المنتدى



vBulletin Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2008 - Created by Stefan "Xenon" Kaeser