Pages: 1

سيـاف الزهـور

(انقر هنا ان احببت مشاهدة الموضوع الاصلي بالالوان و الصور )


Posted by: سيلفانا خوري

رغم حصافتي ، وتعقلي ، وترفعي عن الأساليب الغوغائية في التعاطي مع أي شيء، في الفكر ، والحياة ، اكتشفت فجأة بأنني مجرد بوق إعلامي، وتلميذ نجيب للفضائيات العربية، ولما تقوله وتروج له.

إذ ما أن أسمع رأياً بمطرب أو ممثل أو كاتب، أو نصيحة طبية، أو سرقة أدبية، أو فضيحة مالية أو سياسية أو رياضية ، حتى أسارع وأنقل كل ما سمعته حرفياً ، لكل من أعرف شخصياً أو هاتفياً أو بريدياً. ويصبح ما سمعته شغلي الشاغل ، وحديثي اليومي في البيت والمقهى والبقاليات ، وعلى الطريق مع ما لا يحصى من ثبوتاتي واجتهاداتي الشخصية، حتى أسمع نبأ آخر أو فضيحة أخرى.

وكان آخر ما سمعته في هذا المجال من إحدى الفضائيات العربية ، هو حديث طبي عن أهمية "الألياف" للجسم في سن معينة، والمواد الغنية بها من فاكهة وخضراوات، وحبوب، وأجبان وألبان. فأقبلت عليها جميعاً، هرساً، وعصراً ، وتقطيعاً ، لتعويض ما يكون قد فاتني من هذه المادة . حتى كدت في يوم من الأيام أن آكل "ليفة" الحمام.

كما كنت لسنوات طويلة، أعتقد بأن براعتي الأدبية أرض محرمة لا تستباح، وأنه لا الحاجة ولا المادة، ولا الغربة، ولا البطالة، ولا السوط، ولا الشهرة، ولا الإهمال، يشغلني لحظة واحدة عما يجري من حولي من أحداث وتطورات ومستجدات، إلى أن خضعت لأول اختيار عملي، حيث تبين لي أن كل آرائي ومواقفي الحازمة ضد هذا الاغراء أو ذاك، ما هي إلا أوهام وترهات، وأن ثقتي بنفسي ليست عمياء وصماء، بقدر ما هي مضحكة وبلهاء.

ففي منتصف العمر، دعيت للعمل معززاً مكرماً في إحدى صحف الخليج، فلبيت الدعوة على الفور لأسباب عديدة، وأهمها إغناء تجربتي الشخصية والطبقية، وكنت كلما سألني أحد، كيف، وأنا الثوري المتطرف في كل شيء ومع كل شيء أقبل أن اعتاش من مؤسسات وبلاد هي نقيض لذلك؟ أجيب بانفعال وعلى الفور: ماذا أفعل؟ الفم يساري، والمعدة يمينية.

وبعد سنتين من مكابدة الصحاري الرملية والبشرية، ومخالطة الهنود والباكستانيين والايرانيين والكوريين والسنغاليين، والأفغانيين، والأفخاذيين، المتصببين عرقاً وبؤساً وغربة، ادخرت مبلغاً من المال، اعتبرته كافياً لتربية أطفالي التربية الصحيحة، واتقاء مجاهيل الكبر والشيخوخة. وقد حرت في أمر صمود هذا المبلغ المدخر في أحد البنوك كوديعة بإحدى العملات المستقرة والمضمونة والبعيدة عن الأنظار، حيث أستطيع كسر الوديعة، واسترداد المبلغ متى شئت وحيث أكون، فوافقت على الفور، وأودعت شقاء الغربة في أحد المصارف الشاهقة الارتفاع بإحدى العملات المستقرة والمضمونة، ونمت تلك الليلة نوماً عميقاً هانئاً معافى ، بعد أن شربت قدحاً من "النسكافيه" قهوة الشباب العري الناجح.

ولكن ما إن استيقظت صباح اليوم التالي، حتى صار شغلي الشاغل هو متابعة أسعار العملات المحلية والعربية والأجنبية ، من الصحف والمجلات والاذاعات والاشاعات.
وصرت كلما سمعت نبأ اقتصادياً مزعجاً في أية بقعة في العالم، يركبني الغم، وأفقد شهيتي للطعام والعمل، وأقرر كسر الوديعة، وكلما سمعت نبأ إشاعة مغايرة، أتنفس الصعداء وأقرر الابقاء عليها.

وعندما وقعت بعض الاضطرابات السياسية والعشائرية في البلد الذي وضعت الوديعة بعملته، عكفت على قراءة تاريخه ومساحته ومناخنه، وعدد طوائفه وأحزابه، والتيارات المتصارعة فيه، ومن حوله، وما عليه من مسؤوليات وقروض. وكنت أرغم جلسائي بالقوة والحسنى على الحديث عنه وعن مستقبله، مؤكداً على متانة عملته وثبات اقتصاده، وأن كل ما يجري فيه ومن حوله مجرد سحابة عابرة سرعان ما تزول، لأن إرادة الشعوب لا تقهر، وإن المؤامرات الاستعمارية عليه ستفشل. وأن الرهان على العملة المتدهورة ليس خاسراً دائماً، بل العكس هو الصحيح، كما كانت الحال بالنسبة إلى المارك الألماني والين الياباني بعد الحرب العالمية الثانية. وعندما أخلو إلى نفسي أغرق في الهم والحيرة والتردد: هل أكسر الوديعة؟ أم أبقي عليها؟ وإذا كسرتها، فبأية عملة استبدلها؟

ومرت الأيام والشهور والسنوات...
وتغير مفهوم العمل في الصحافة والنقد والمسرح، وأساليب الكتابة والقراءة والالقاء والاصغاء.
ونزلت إلى الأسواق عشرات الصحف والمجلات، والدواوين الشعرية والقصص والروايات الأدبية الجديدة.
ومئات الأحزاب والطوائف والميليشيات والعشائر التقدمية والرجعية والأصولية.
واجتاحت اسرائيل جنوب لبنان
ونزل المارينز على شواطئ بيروت
واندلعت حرب الخليج
واغتيل أنور السادات
وجرت محاولة لاغتيال نجيب محفوظ
ومات أمل دنقل، ويوسف إدريس، وعاصي الرحباني، وميشال طراد
وشاخ من شاخ ، وخرف من خرف
وأنا لا عمل لي سوى التسكع في الطرقات والتساؤل: هل أكسر الوديعة؟ أم أبقي عليها؟ وإلى متى؟ لقد صارت عندي أهم من وديعة رابين... إلى أن سقطت ذات يوم في حفرة من حفر الانشاءات أو الترميم لا أحد يعلم، فكسرت يدي وقد انفقت واستدنت ضعفي قيمة الوديعة في العلاج والاستطباب.

وقد أشار علي أحد المنظرين العرب في قضايا حقوق الانسان، بأنني لست المسؤول عما حدث، وأن المسؤولية تقع على عاتق الجهة الرسمية التي لم تحتط للأمر، ولم تضع إشارة واضحة لوجود الحفرة لا في الليل ولا في النهار، وإنه يحق لي كمواطن المطالبة بتعويض قد يصل إلى مئات الألوف؟؟ وعندما قدت الجهة الرسمية المسؤولة عن مثل هذه الحفر، ويدي معلقة بعنقي، نصحني موظف الاستعلامات بأن أنصرف فوراً، وإلا كسروا لي الثانية.

من كتاب سياف الزهور للاديب السوري محمد الماغوط



Posted by: سيلفانا خوري

عندما كنت فتياً جواباً، وأنام وقدماي في الشارع، وحقيبتي أو بالأحرى "صرتي" جاهزة قرب رأسي أو على رأسي، لم أتلق دعوة إلا لتسديد فواتير الماء والكهرباء أو إلى أقرب مخفر للشرطة للادلاء بشهادة حول سرقة دجاجة أو اختفاء خروف. وكانت مثل هذه الأحداث تقيم الدنيا وتقعدها في الحارة التي تقع فيها، بينما الآن فإن اختفاء حارة بكاملها لا يعني أحداً.

والآن بعد أن أصبحت مثل أحدب نوتردام، وعكازي يرن على أرصفة آسيا كلها، أخذت الدعوات تنهال عليّ من كل حدب وصوب للمشاركة أو المساهمة في مهرجانات وندوات واحتفالات في بلدان لم اسمع بها من قبل حتى في كتب التاريخ والجغرافيا. ومع أنني لم أحضر في حياتي كلها اجتماعاً أو ندوة من هذا النوع إلا نائماً أو متثائباً، إلا أن الاغراءات هذه المرة كانت كثيرة: طائرات حديثة، خدمة ممتازة، فنادق من الدرجة الأولى. زيارة متاحف ومعارض وحفلات موسيقية ومطاعم شهيرة أكل فيها فلان وفلان، ومقابر ملكية دفن فيها فلان وفلان. وجسور خالدة سار عليها فلان ونام تحتها فلان.

ولكن، وفي ذروة القصف الاميركي والأطلسي عل يوغسلافيا وغيرها من دول البلقان، وعندما عمّت المظاهرات والاحتجاجات المدن الأوربية، وغصت حدودها ومطاراتها وموانئها باللاجئين والمشوهين والهاربين والمتطوعين، حزمت أمري، واعتمدت على الله وعلى جاري على سلم الطائرة متجهاً إلى فيينا، معقل الفن والجمال والاحتجاج ضد كل مظاهر العنف والظلم في العالم، ممنياً النفس بالاشتراك بمظاهرة، بمسيرة، بأي شيء ضد هذا القصف الأعمى لأكثر بلدان العالم جمالاً وصبراً وكرامة.

ولكن ما أن ربطنا الأحزمة وفككناها أكثر من مرة، فوجئت بما لم يكن بالحسبان، وهو أن التدخين ممنوع في الطائرات والمطارات والفنادق والمتاحف والمطاعم والمعارض وفي كل مكان حتى المقابر... حفاظاً على البيئة، فحيث أشعل لفافتي ترن الأجراس الالكترونية، وتعمل الكاميرات الخفية، وتضاء وتنطفئ الأنوار الحمراء والخضراء ويهرع موظفو الفندق، أو ندل المقاهي ورجال الأمن وحتى المواطنون العاديون مزمجرين مستنكرين وأنا لا أعرف كيف أتصرف وبماذا أجيب، فدائماً أنسى جواز سفري في مكان ما، ولا أعرف اسم الفندق الذي أنزل فيه أو عنوانه. وليست معي أوراق تثبت شخصيتي، ولا أعرف لغة ، وفوق ذلك عربي ومن دول المواجهة!!

البيئة.. البيئة .. البيئة...

ملايين الأطنان من القنابل الانشطارية، والعنقودية والمسمارية، والفوسفورية والحرارية والجرثومية والبيولوجية والسرطانية. وقنابل النابالم وغاز الأعصاب، والبرص والرعاف والنكاف والعامل البرتقالي تغطي سماء يوغسلافيا والبلقان والعراق وما حولها، وفوقها "روث" الطيارين الأميركيين على مدار الساعة في كل أجواء الدنيا، لا تلوث البيئة بل تحميها!! ولفافتي شبه المختفية بين أصابعي الهزيلة المرتجفة هي التي تلوثها!!

***
والذي ضاعف من غضبي أكثر من أي شيء آخر، واصراري على العودة بأية طريقة وعلى أي خط. هو أن المظاهرة الوحيدة التي أتيح لي الاشتراك فيها، وهتفت ودبكت ولوحت بعكازي في مقدمتها أكثر من ساعتين، كانت تأييداً للغارات الأميركية على يوغسلافيا، لا ضدها!!

================================================== ======


الخد الايسر

يتركون لنا بقايات الشمس لندفأ

بقايا الموائد لنأكل

بقايا الليل لننام

بقايا الفجر لنستيقظ

بقايا الموسيقى لنسمع

بقايا الأرصفة لنمشي

بقايا الأصابع لنكتب

ثم يتركون لنا الوطن من المحيط إلى الخليج، لنقاتل ونموت من أجله.


***
أريد حصتي من الشمس والقمر والنجوم، والشروق والغروب..

من الحقول والسهول، والجبال والوديان، والحرّ والقرّ والمناخ المعتدل...

والأنهار والسواقي والينابيع...

والسفن والأمواج والرياح، وذرى الأمواج وقاع المحيطات...

من الكهوف والمغاور، والأوابد الأثرية، والموقع الاستراتيجي، وملتقى الأقوام والحضارات...

من البرق والرعد والصواعق وأغاني الرعاة والصيادين والملاحين ...

من السيول والحرائق والفياضانات

من الماضي ، والحاضر، والمستقبل...


***
ولن أقبل أبداً ببضع قطرات من الدم على محرمتي كل صباح مثل شوبان...

أو ضحكة بلهاء تحت الجسور مثل موزارت...

أو بضع نوبات من الصرع أو الجنون مثل نيتشه أو دوستويفسكي...

أوباقة من أزهار عباد الشمس، وفراش عتيق لا يكاد يلحظه أحد في "مصح عقلي" مثل فان كوخ...

***
أما: راتب شهري... راتب تقاعدي... تعويض عائلي؟

مكافأة أسبوعية... سنوية؟

فهذا لا يعنيني أبداً ...

فأنا لست رجل شهور وأسابيع وسنوات... بل رجل قرون ودهور وأجيال..

منذ سبعة آلاف سنة، بنيت الأهرامات، ونقلت حجارتها على ظهري من أسوان

إلى الجيزة، تحت لسع السياط وحريق الهاجرة،. والآن أتألم، وأشكو ضآلة

الأجر وسوء المعاملة!!

من سياف الزهور .. محمد الماغوط



موقع زيدل سوريا حمص  .. خدمات تشات و دردشة  ... أرشيف المنتدى



vBulletin Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Limited.
vB Easy Archive Final ©2000 - 2008 - Created by Stefan "Xenon" Kaeser